بسم الله الرحمن الرحيم

Rechercher dans ce blog

Chargement...

lundi 26 mars 2012

القضية الفلسطينية في السياسة الخارجية الفرنسية

القضية الفلسطينية في السياسة الخارجية الفرنسية

فرنسا التي تستقبل الرئيس الفرنسي ياسر عرفات للعلاج تعتبر دائما أن الرئيس المنتخب في سنة ١٩٩٦ يبقى الشريك الذي لا يمكن إيجاد تسوية عادلة لمشكل الشرق الأوسط بدونه
________________________________________
تعتبر القضية الفلسطينية، من بين الملفات التي لم تتغير حولها السياسة الخارجية الفرنسية منذ فترة حكم الجنرال شارل دوغول. حسب الخبير في شؤون الشرق الأوسط والمؤرخ بول ماري دولا غورس، حتى وإن أصبح ملف الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في المرتبة الثانية بسبب حرب العراق، إلا أنه يبقى بالنسبة لباريس مفتاح الاستقرار في الشرق الأوسط وهي المنطقة القابلة للإنفجار أكثر في العالم. في هذا السياق، يمكن فهم القرار الذي اتخذه الرئيس الفرنسي جاك شيراك شخصيا باستقبال ياسر عرفات في مستشفى بيلي كالامار العسكري لتلقي العلاج من المرض الذي أصيب به قبل حوالي أسبوعين وبعد هذا التدهور المفاجئ في وضعه الصحي يومه الأربعاء إلى الخميس الماضيين. يسجل أمنون كابليوك صحفي إسرائيل ومؤلف كتاب يتناول سيرة حياة الرئيس الفلسطيني، أن فرنسا تحترم الشرعية الدولية وتتعامل مع الرئيس الفلسطيني باعتباره الرئيس المنتخب من طرف شعبه. وكان الرئيس الفرنسي جاك شيراك قد برر مجيء القائد الفلسطيني المريض لفرنسا بقوله عندما يكون لشخص ما في وضعية مرض، يفرض الجانب الإنساني نفسه على الجميع، غير أن هذه المبادرة تحمل في طياتها جوانب سياسية بالنسبة لدولة تطمح لأن تلعب دورا ما في الشرق الأوسط، ليضيف بول ماري دولا غورس بأن هذه المبادرة، بالنسبة للدول العربية، تبقى شيئا، يحسب لفائدة فرنسا. يشار إلى أن المسؤولين الفرنسيين هم كذلك آخر من قام بزيارة الرئيسي ياسر عرفات المحاصر في رام الله، ففي نهاية شهر يونيو الماضي، اختار وزير الخارجية الفرنسية ميشيل بارنييه إلغاء زيارته لإسرائيل عوض التخلي عن زيارة رام الله، بالنسبة لفرنسا، لا يمكن القيام بأي شيء بدون عرفات داخل مسلسل السلام، حتى أن ميشيل بارنيه أوضح بتاريخ ١٩ أكتوبر الماضي في إسرائيل بأن التاريخ علمنا أنه لا يمكن أن نختار عدونا. سبق لفرنسا أن قامت بدور رئيسي في صيف ١٩٨٢ عندما تدخلت لإنقاذ حياة رئيس منظمة التحرير الفلسطينية الذي كان رهينة تحديدات القوات الإسرائيلية التي قررت إنهاء الوجود الفلسطيني في لبنان. بمبادرة الرئيس فرانسوا ميتران، ساعد العسكريون الفرنسيون على إخراج ياسر عرفات من بيروت التي غادرها تحت حماية الجيش الفرنسي بتاريخ ٣٠ غشت ١٩٥٢. والظاهر أن الرئيس فرانسوا ميتران الذي كان صديقا لدولة إسرائيل كان من المدافعين عن الحقوق الوطنية للفلسطينيين، فيما يوضح بول ماري دولا غروس حتى أن ميتران أوضح ذات يوم أنه من حق الفلسطينيين القتال. تعود أول زيارة قام بها ياسر عرفات لباريس إلى ٢ ماي ١٩٨٩ حيث استقبله الرئيس فرانسوا ميتران، ستة أشهر بعد موافقة منظمة التحرير الفلسطينية على قرارات الأمم المتحدة التي تعني الاعتراف بالدولة العبرية، غير أن علاقات ياسر عرفات بالرئيس جاك شيراك تبدو قوية وواسعة في شهر يناير من سنة ١٩٩٧ وخلال زيارته السادسة للرئيس الفرنسي، أوضح الرئيس الفلسطيني أنه كلما واجه مشكلا إلا وقام بزيارة »الدكتور شيراك«
وثائق القضية الفلسطينية
45
رقم الوثيقة

مشروع المعاهدة البريطانية مع الشريف حسين
اسم الوثيقة
يتعهد صاحب الجلالة البريطانية بأن يعترف باستقلال العرب في العراق و شرقي الأردن والحكومات العربية الموجودة في شبه جزيرة العرب ما عدا عدن ، وأما فلسطين فقد تعهد صاحب الجلالة البريطانية بأن لايفعل في تلك البلاد قد يجحف بما للشعب العربي من حقوق مدنية ودينية.
ويعترف صاحب الجلالة الهاشمية بمركز صاحب الجلالة البريطانية الخاص في العراق وشرقي الأردن وفلسطين ويتعهد بأنه - فيما يقع ضمن حدود نفوذ جلالته الهاشمية في الأمور المتعلقة بهذه الأقطار سيبذل أفضل جهوده للتعاون مع صاحب الجلالة البريطانية في سبيل قيامه بالتزاماته.
نص الوثيقة
وثائق القضية الفلسطينية
34
رقم الوثيقة

صور منشور ألقته الطائرات البريطانية موجه من الشريف حسين إلى الجنود والضباط العرب في الجيش التركي في فلسطين اسم الوثيقة
أصدر شريف مكة وملك الحجاز الحالي منشورا إلى الضباط والجنود العرب في الجيش العثماني وطلب منا أن نبلغهم إياه. فاقرأوه بتمعن واغتنموا الفرصة لتهربوا وتأتوا إلينا وسنستقبلكم كأصدقاء مرحبين بكم وستلاقون منامعاملة حسنة وستجدون معنا مندوبين من قبل شريف مكة وملك الحجاز الحالي فسيستقبلونكم وتساعدونهم أنتم في تحرير العرب ( الجيش الانجليزي في فلسطين).
إلىجميع العرب وسواهم من الضباط والرجال الموجودين في الجيش العثماني ، سمعنا بمزيد من الأسف أنكم تحاربوننا، نحن الذين نجاهد في سبيل المحافظة على أحكام الدين الإسلامي الشريف من التغيير والتحريف ولتحرير العرب قاطبة من حكم الأتراك.
ونحن نعتقد أن الحقيقة الخالصة لم تصل إليكم لذلك أرسلنا إليكم هذا الإشعار ممهورا لنؤكد لكم أننا نحارب لأجل غايتين شريفتين وهما حفظ الدين وحرية العرب عامة.
ولقد أرسلنا الأوامر المشددة إلى عموم رؤساء ورجال قبائلنا بأنه إذا أسرت جيوشنا أي واحد منكم يجب أن يعاملوكم بالحسنى ويرسلوكم إلى أولادي حيث يرحبون بكم ويحسنون وفادتكم. لقد كانت المملكة العربية مستعبدة تحت سلطة الأتراك مدة طويلة فقتلوا إخوانكم وصلبوا من رجال الكثير، ونفوا نساءكم وعيالكم بعد تحريف دينكم، فكيف تطيقون الصبر بعد ذلك وتتحملون عناء الاستمرار وترضون بمعاونتهم . هلموا للانضمام إلينا نحن الذين نجاهد لأجل الدين وحرية العرب حتى تصبح المملكة العربية كما كانت في عهد أسلافكم إن شاءالله تعالى، والله الهادي إلىسواء السبيل.

شريف مكة المكرمة وأميرها
وملك البلاد العربية
الحسين بن علي نص الوثيقة

رقم الوثيقة

رسائل متبادلة بين الشريف حسين وسير هنري مكمهون اسم الوثيقة
مكة في 28 رمضان سنة 1333 (14 يوليو سنة 1915) لصاحب السعاة والرفعة نائب جلالة الملك بمصر، سلمه الله.
أقدم لجنابكم العزيز أحسن تحياتي الودية واحتراماتي وأرجو أن تعملوا كل مافي وسعكم لتنفيذ المذكرة المرسلة إليكم طيه، المتضمنة الشروط المقترحة المتعلقة بالقضية العربية.
وأود بهذه المناسبة أن أصرح لحضرتكم ولحكومتكم أنه ليس هناك حاجة لأن تشغلوا أفكاركم بآراء الشعب هنا، لأنه بأجمعه ميالإلى حكومتكم بحكم المصالح المشتركة.
ثم يجب ألا تتعبوا أنفسكم بإرسال الطيارات أو رجال الحرب ، لإلقاء المناشير، وإذاعة الشائعات ، كماكنتم تفعلون من قبل ، لأن القضية قد قررت الآن.
وإني لأرجوا هنا أن تفسحوا المجال أمام الحكومة المصرية، لترسل الهدايا المعروفة من الحنطة للأراضي المقدسة مكة والمدينة التي أوقف إرسالها منذ العام الماضي.
وأود أن ألفت نظركم إلىأن إرسال هدايا هذا العام، والعام الفائت، سيكون له أثر فعال في توطيد مصالحنا المشتركة وأعتقد أن هذا يكفي لاقناع رجل ذكي مثلك ، أطال الله بقاءكم.
حاشيه- أرجوا ألاتزعجوا أنفسكم بإرسال أي رسالة ، قبل أن تروا نتائج أعمالنا هنا، خلا الجواب على مذكرتنا وما تتضمنه.
ونرجو أن يكون هذا الجواب بواسطة رسولنا كما نرجوا أن تعطوه بطاقة منكم ليسهل عليه الوصول إليكم عندما نجد حاجة لذلك.
والرسول موثوق به.
المذكرة: لما كان العرب بأجمعهم دون استثناء - قد قرروا في الأعوام الأخيرة أن يعيشوا وأن يفوزا بحريتهم المطلقة، وأن يتسلموا مقاليد الحكم نظريا وعمليا بأيديهم ولما كان هؤلاء قد شعروا وتأكدوا أنه من مصلحة حكومة بريطانيا العظمى أن تساعدهم وتعاونهم للوصول إلى أمانيهم المشروعة، وهي الأماني المؤسسة على بقاء شرفهم، وكرامتهم وحياتهم.
ولما كان من مصلحة العرب أن يفضلوا مساعدة حكومة بريطانيا عن أية حكومة أخرى بالنظر لمركزها الجغرافي ، ومصالحهم الاقتصادية وموقفهم من حكومة بريطانيا.
أنه بالنظر لهذه الأسباب كلها يرى الشعب العربي أنه من المناسب أن يسأل الحكومة البريطانية إذا كانت ترى من المناسب أن تصادق بواسطة مندوبيها أو ممثليها على الاقتراحات الأساسية الآتية:
أولا: أن تعترف انجلترا باستقلال البلاد العربية من مرسين - أدنه ، حتى الخليج الفارسي شمالا ومن بلاد فارس حتى خليج البصرة شرقا، ومن المحيط الهندي للجزيرة جنوبا يستثنى من ذلك عدن التي تبقى كما هي - ومن البحر الأحمر ، والبحر المتوسط حتى سينا غربا.
على أن توافق انجلترا أيضا على إعلان خليفة عربي على المسلمين.
ثانيا: تعترف حكومة الشريف العربية بأفضلية انجلترا في كل مشروع اقتصادي في البلاد العربية، إذا كانت شروط تلك المشاريع متساوية.
ثالثا: تتعاون الحكومتان الانجليزية والعربية في مجابهة كل قوة تهاجم أحد الفريقين وذلك حفظا لاستقلال البلاد العربية وتأمينا لأفضلية انجلترا الاقتصادية فيها. علىأن يكون هذا التعاون في كل شيء، في القوة العسكرية والبحرية والجوية.
رابعا: إذاتعدى أحدالفريقين على بلد ما ونشب بينه وبينها عراك وقتال ، فعلى الفريق الآخر أن يلزم الحياد ، على أن هذا الفريق المعتدي إذا رغب في اشتراك الفريق الآخر معه ففي وسع الفريقين أن يجتمعا معا ويتفقا على الشروط.
خامسا: مدة الاتفاق في المادتين الثالثة والرابعة من هذه المعاهدة خمس عشرة سنة. وإذا شاء أحد الفريقين تجديدها عليه أن يطلع الفريق الآخر علىرغبته قبل انتهاء مدة الاتفاقية بعام.
وفوق هذا فإننا نحن عائلة الشريف نعتبر أنفسنا إذا لم يصل الجواب - أحرارا في القول والعمل من كل التصريحات والوعود السابقة التي قدمناها بواسطة على أفندي.
رقم الوثيقة

رسالة من السير هنري مكمهون إلى الشريف حسين اسم الوثيقة
إلى السيد الحسيب النسيب سلاسلة الأشراف وتاج الفحار وفرع الشجرة المحمدية والدوحة القرشية الأحمدية صاحب المقام الرفيع والمكانة السامية السيد ابن السيد والشريف بن الشريف السيد الجليل المبجل دولتوا الشريف حسين سيد الجميع أمير مكة المكرمة قبلة العالمين ومحط رجال المؤمنين الطائعين عمت بركته الناس أجمعين.
بعد رفع رسوم وافر التحيات العاطرة والتسليمات القلبية الخالصة من كل شائبة نعرض أن لنا الشرف بتقديم واجب الشكر لإظهاركم عاطفة الاخلاص وشرف الشعور والاحساسات نحو الانجليز. وقد يسرنا علاوة على ذلك أن نعلم أن سيادتكم ورجالكم على رأي واحد وأن مصالح العرب هي نفس مصالح الانجليز والعكس بالعكس. ولهذا النسبة فنحن نؤكد لكم أقوال فخامة اللورد كتشنر التي وصلت إلى سيادتكم عن يد على أفندي وهي التي كان موضحا بها رغبتنا في استقلال بلاد العرب وسكانها مع استصوابنا للخلافة العربية عند اعلانها.
وننانصرح هنا مرة أخرى أن جلالةملك بريطانيا العظمى يرحب باسترداد الخلافة إلى يد عربي صميم من فروع تلك الدوحة النبوية المباركة.
وأما من خصوص مسألة الحدود والتخوم فالمفاوضة فيها تظهر أنها سابقة لأوانها وتصرف الأوقات سدى في مثل هذه التفاصيل في حال أن الحرب دائرة رحاها ولأن الاتراك أيضا لا يزالوا محتلين لأغلب تلك الجهات احتلالا فعليا وعلى الاخص ماعلمناه وهو مما يدهش ويحزن أن فريقا من العرب القاطنين في تلك الجهات نفسها قد غفل وأهمل هذه الفرصة الثمينة التي ليس أعظم منها - وبدل إقدام ذلك الفريق على مساعدتنا نراه قد مد يد مع ذلك فأنا على كمال الاستعداد لأن نرسل إلىساحة دولة السيد الجليل وللبلاد العربية المقدسة والعرب الكرام من الحبوب والصدقات المقررة من البلاد المصرية وستصل بمجرد إشارة من سيادتكم وفي المكان الذي تعينونه . وقد عملنا الترتيبات اللازمة لمساعدة رسولكم في جميع سفراته إلينا ونحن على الدوام معكم قلبا وقالبا مستنشقين رائحة مودتكم الزكية ومستوثقين بعرا محبتكم الخالصة سائلين الله سبحانه وتعالى دوام حسن العلائق بيننا . وفي الختام أرفع إلى تلك السدة العلياكامل تحياتي وسلامي وفائق احترامي .
تحريرا في 19 شوال 1333
الموافق 30 أغسطس 1915
المخلص السيد ارثر مكماهون
نائب جلالة الملك. نص الوثيقة
خارطة الموقع
ابحث
رقم الوثيقة

حديث بين الكومندر هوجارت والملك حسين في موضوع الرسالة التي أبلغ جلالته إياها
اسم الوثيقة
تلوت رسالة وزارة الخارجية رقم 1 الأمة العربية والحاجة إلى الوحدة فوافق الملك بلهجة ودية وقال : إنهاتعبر عن أساس كل اتفاقنا فقلت أنه نظرا لطول الوقت الذي مضى رأي الحلفاء من المستحسن تكريرها الآن.
ثم قال الملك أنه إذا كان هناك تعديل ثانوي لاتفاقنا معه تفرضه علينا ضرورات الحرب فهو مستعد لأن يعترف بمثل هذه الضرورة بصراحة، ولكن طلب أن نبلغه بمثل هذه الصراحة التعديل والضرورات التي تقتضيه.
ثم تناولت الرسالة رقم 2 الإدارة الدولية في فلسطين فذكرت الملك بالتحفظ الوارد في التفاق الأصلي الذي يكفل مصالح خاصتنا لحلفائنا، لاسيما فرنسا، فرد بإشارة فكاهية إلى فاشودة معربا بذلك عن شكه في وجود اتفاق حقيقي دائم في المصلحة بين فرنسا وبيننا، فأغضبت عن هذه الاشارة مكتفيا بإشارة تنبئ عن المخالفة وقلت : إن فرنسا قد صارت ترى بعيوننا فيما يتعلق بالمسائل العربية وأنها تؤيد كما نؤيد نحن خطط فيصل وأنها تأخذ بالرأي الذي يعتنقونه بقوة في أمريكا وهو أن الشعب يجب أن تكون له الحكومة التي يرغب فيها- وأنها أي فرنسا لا تريد إلا أن تحمي وتساعد الحكومة المستقلة في سوريا.
ثم تلوت الرسالة رقم 2 فوافق الملك قائلا: إن العقل الذي يستطيع أن ينتج هذا قادر على أن يبتدع نوعا من الادارة يصون كل المصالح ويكفلها . وأثنى على بريطانيا العظمى وأشاد بتصرفها فيما يتعلق بمسجد عمر وذكر امتناع الخليفة عمر عن دخول المعابد المسيحية أو التعرض لها في فلسطين ، فإذا استطعنا أن نضع بيانا على مثال الرسالة رقم 2 مع إغفال الاشارة إلىالادارة السياسية فإنه مستعد أن يذيعه علىالعالم الاسلامي كله.
وانتقلت إلى الرسالة رقم 3 إقامة اليهود في فلسطين ومهدت لها ببيان عن نمو الحركة الصهيونية في خلال الحرب وعظم قيمة المصالح اليهودية ومزية التحالف معها وكان الملك يبدو عليه الاستعداد لقبول الصيغة ووافق بحماسة قائلا أنه يرحب باليهود في كل البلاد العربية. فأوضحت له أن حكومة جلالته مصممة على صيانةمصالح الأهالي الأصليين. نص الوثيقة

الوحدة النقدية الأوروبية وإشكاليات اليورو

الوحدة النقدية الأوروبية وإشكاليات اليورو


المقدمة
تشهد الساحة الاقتصادية العديد من التغيرات قد يكون لها آثار مهمة على العلاقات الاقتصادية الدولية ولعل من أهم هذه التغيرات الاتجاه إلى نحو الإقليمية .. وفي هذا الصدد شهدت السنوات الأخيرة من القرن العشرين ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية اتجاهات قوية نحو تشكيل تجمعات اقتصادية إقليمية احد مقوماتها الروابط التاريخية والثقافية والجغرافية المشتركة.وقد حققت بعض هذه التجمعات الاقتصادية خطوات كبيرة من التقدم اتجاه تحقيق أقصى صور التكامل الاقتصادي ولعل من أهمها الاتحاد الأوروبي الذي يعتبر النموذج الأمثل للتكامل الاقتصادي والنقدي والذي بدى في بادئ الأمر على شكل تجمعات أوروبية متفرقة في الخمسينات والستينات والتي تباينت أهدافها وتعد التجارب الأولى في حقل التنظيم الأوروبي وأبرزها المجموعة الأوروبية للفحم والصلب والسوق الأوروبية المشتركة ….الخ

ولقد أفضى في سنة 1999 الى تحقيق الوحدة النقدية تعززت بإصدار اليورو في جانفي 2002 الذي زاد ثقة الأوروبيين في مسيرة التكامل المنتهجة .



الإشكالية:

إن الوحدة النقدية الأوروبية تثير العديد من التساؤلات أهمها:

-لماذا اعتمد الأوروبيين عملة واحدة؟ وكيف استطاعوا تحقيقها؟

- من المسؤول عن السياسة النقدية في الاتحاد الأوربي ؟

- ما هي فلسفة البنك المركزي الأوروبي في مجابهة إشكالية الوحدة النقدية ؟

- ما هو دور البنوك المركزية للدول الأعضاء في نادي اليورو ؟

- ما هي أولويات السياسة النقدية ؟



الفرضيات:

للإجابة على التساؤلات السابقة نفترض إن البنك المركزي الأوروبي هو المسوؤل عن رسم السياسة النقدية في الاتحاد الأوروبي و إن هذه السياسة تتخذ بالتنسيق بين الدول الأعضاء .



أهمية الدراسة:

إن السياسة النقدية في الاتحاد الأوروبي سياسة فريدة من نوعها على المستوى العالمي سواء من حيث الميكانزماتها أو من حيت آلياتها ومن تم فان التجربة الأوروبية تجربة رائدة تستحق الدراسة نظرا لخصائصها الأساسية و التي ينبغي الوقوف عندها.



نطاق الدراسة:

لا يخفى أن موضوع الاتحاد النقدي و الاقتصادي الأوربي هو موضوع واسع النطاق و متعدد الأوجه.لذلك فان محور البحث هو عن السياسات النقدية المشتركة في الاتحاد الأوربي .



منهج البحث:

يتم في هذه الدراسة إتباع الأسلوب الوصفي الاستقرائي لبيان السياسة النقدية المشتركة في الاتحاد الأوروبي .



خطة البحث وتقسيماته

بالرغم من قناعتنا بأنه توجد أكثر من خطة بديلة لدراسة أي موضوع ,إلا إننا تماشيا مع المنهج السابق الذكر , قمنا بتقسيم هذا البحث إلى ثلاثة فصول,حاولنا من خلالها الإلمام بكافة جوانب الموضوع.

الفصل الأول خصص لنشأة النظام النقدي الأوروبي وتطوره .

الفصل الثاني تطرقنا من خلاله إلى آلية عمل النظام النقدي في الاتحاد الأوروبي وأهدافه .

وفي الأخير حاولنا في الخلاصة تقديم رؤية شاملة عن التجربة الأوروبية في مجال التكامل النقدي .



1-النظام النقدي الأوروبي... النشأة والتطور:



يعتبر الاتحاد النقدي الأوروبي من أهم تجارب التكامل الاقتصادي في الوقت الراهن ,حيث ظهرت الحاجة الملحة له بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وما خلفته من دمار اقتصادي لأوروبا والتي كانت المحفز الأول للتفكير في إقامة نوع من التكتل والتعاون بين دول القارة .



أولا : التطور التاريخي لنشأة الجماعة الاقتصادية الأوروبية :

تم في سنة 1947 توقيع اتفاقية تأسيس الاتحاد الاقتصادي(الجمركي) لدول البينولكس,وكان يشمل ثلاث دول أوروبية هي:هولندا ,بلجيكا ولكسمبورغ[1] وفي عام 1949 تم تكوين المنظمة الأوروبية للتعاون الاقتصادي والتي تكونت من 16دولة تعهدت بموجبها ممارسة تعاون وثيق في علاقاتها الاقتصادية

المتبادلة.وقد تناول هذا الالتزام بشكل أساسي تنمية الإنتاج الوطني و الاستقرار المالي وحرية التبادل بين الدول الأوروبية .[2]

وبعد الإعلان بعام عن خطة روبرت شومان وزير خارجية فرنسا أي في 18/04/1951 انشات فرنسا وألمانيا وايطاليا ودول البنوليكس (المجموعة الأوروبية للفحم والصلب) بهدف التوصل إلى سوق أروبية مشتركة في هاتين السلعتين الإستراتجيتين[3] وتنظيم التنافس بين الصناعات الأوروبية ومع إن فترة الخمسين سنة الماضية كانت مليئة بالعمل في حقل التنظيم الأوروبي والاتجاه نحو تحقيق الوحدة إلا انه يمكننا تحديد المحطات الرئيسية التالية :

1- معاهدة روما :

تم توقيعها في روما وذالك في مارس 1957 بين الدول الستة المذكورة سابقا ,والتي تعتبر الوثيقة المؤسسة للمجموعة الاقتصادية الأوروبية والهادفة الى: [4]

-إلغاء الرسوم الجمركية على التجارة الداخلية بين الدول الأعضاء ووضع تعريفة جمركية موحدة اتجاه دول العالم الأخرى .

- إزالة الحواجز القائمة في وجه انتقال رؤوس الأموال وللأشخاص والخدمات بين الدول الأعضاء .

-تنسيق السياسات الاقتصادية بين الدول الأعضاء.

- وفي نفس السنة (1957)وقعت نفس الدول اتفاقية تأسيس المجموعة النووية الأوروبية ,وقد كونت المجموعات الثلاثة السالفة الذكر ما يسمى بالمجموعة الأوروبية وقد تم التوقيع في بروكسل في عام 1967 على اتفاق التوحيد الذي بموجبه يصبح للمجموعة الأوروبية الهيئات التالية :

-مجلس وزراء مشترك و مفوضية مشتركة .

- جمعية برلمانية ومحكمة أوروبية.

2-الطريق نحو الوحدة النقدية :

لم تتوقف محاولات التعاون النقدي بين الدول الأوروبية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بدءا بإنشاء اتحاد المدفوعات الأوروبي عام 1950 وبعد تكوين السوق الأوروبية المشتركة بموجب معاهدة روما سنة 1957 هذه السوق عرفت فيما بعد باسم الجماعة الاقتصادية الأوروبية ,تركزت جهود التعاون النقدي من اجل مواجهة أزمات اقتصادية مختلفة ,مثل اختلال موازين المدفوعات ,زيادة مستويات,التضخم ,الركود الاقتصادي ,زيادة نسب البطالة ,تدهور وضع الدولار كعملة الاحتياط الدولية ثم وقف تحويله الى ذهب .

وقد تطورت محاولات التعاون النقدي من مجرد كونها ترتيبات لمواجهة الأزمات المختلفة التي تتعرض لها دول الجماعة الأوروبية لكي تصبح هدف في حد ذاته وهو تحقيق الوحدة الاقتصادية والنقدية الأوروبية الهدف الذي حققته معاهدة ماستريخت في 7/02/1992 التي بموجبها أنشئ الاتحاد الأوربي و الذي يجسد التعاون الاقتصادي و النقدي الأوربي .[5]



ثانيا : مراحل تطور النظام النقدي الأوربي:

ان فكرة تكوين وحدة نقدية و اقتصادية فكرة قديمة ظهرت منذ الخمسينات من القرن الماضي ,و لكنها لم تلق النور بسبب وجود نظام( بريتون وودز)العالمي لتثبيت أسعار الصرف, الشيء الذي أعاق إقامة نظام نقدي منفصل داخل أوربا, وبعد انهيار هذا النظام و ازدياد معدلات العجز في ميزان المدفوعات الأمريكي و انخفاض الدولار بنسبة 10% في فبراير 1971 ظهرت الحاجة لإصدار وحدة نقدية أوربية مستقلة[6] .

وخلال سعيها لوضع نظام نقدي فعال مر هذا النظام بالمراحل التالية:[7]

1- نظام الثعبان النقدي:

قام الاتحاد الأوروبي عام 1972 طبقا لما سمي بنظام الثعبان داخل النفق " Snake in the Tunnel " بتحديد هوامش تذبذب العملات الخاصة بالدول الأعضاء بالنسبة للعملات الأجنبية و كانت مرتبطة هذه العملات بالدولار الأمريكي مع السماح بتذبذبها في حدود2.25% حول سعر الدولار . أما طبقا لنظام الثعبان النقدي فقد خفضت النسبة إلى النصف تقريبا و أصبحت أسعار صرف العملات للدول الأعضاء مثبتة فيها بينها مع وجود هامش التذبذب، في حين تكون هناك العملات حرة في التعويم بالنسبة للعملات الأجنبية. أصبح نظام الثعبان غير ذي جـدوى و تم إلغـاءه و استبداله بالنظام النقـدي و ذلك بسبب تعميم فكرة حرية التعويم عام 1973.

2- النظام النقدي الأوروبي :

نظرا لفشل نظام ( الثعبان النقدي ) تم إستيحداث النظام النقدي الأوروبي و دخل حيز التطبيق في منتصف مارس 1989 وفقا بهذا النظام يكون لكل عملة من العمولات التي تنتمي إلى التحالف سعرين أحدهما مركزي و هو الذي يحدد علاقة كل عملة بوحدة النقد الأوروبية و يسمح للعملات بالتذبذب في حدود 2.25% صعودا و هبوطا من هذا السعر ، باستثناء الليرة الإيطالية حيث سمح لها بتذبذب في حدود 6 %صعودا و هبوطا حتى يناير 1990 حيث أخذت بالهوامش الضيقة . أما السعر المحوري الذي يحدد العلاقة بين كل عملة و العملات الأخرى الداخلة في التحالف .

و هنا تجدر الإشارة إلى أن " وحدة النقد الأوروبية " هي عبارة عن سلة من الأوزان النسبية لعملات الدول الأعضاء في الجماعة و يتحدد هذا الوزن بمدى مساهمة العملة في الدخل القومي و التجارة الخارجية لكل دولة ويتم تغيير الأوزان النسبية للعملات دوريا كل خمس سنوات ، أو في حالة حدوث تغيير في قيمة أي عملة بنحو 25 % أو أكثر .

و يقابل إصدار وحدة النقد الأوروبية قيام البنوك المركزية للدول الأعضاء، بإيداع نسبة قدرها 20 % من احتياطياتها من الذهب، و كذلك 20 % من أرصدتها من الدولار لدى صندوق التعاون النقدي الأوروبي.

أدى عدم تكوين سوق موحدة بين أطراف التحالف على الرغم من النجاحات النسبية التي حققتها هاته الأطراف في سبيل الوحدة إلى تعديل اتفاقية روما بما يتلاءم مع الأهداف المطروحة لذلك أصدر البرلمان الأوروبي عام 1986 الوثيقة الأوروبية الموحدة ( Single European ACT )التي أكد فيها ضرورة تحقيق الوحدة الاندماجية الكاملة بين الأعضاء.

و عدلت في هذا السياق الجماعة الأوروبية من أهداف سياستها النقدية، حيث تم تغيير التركيز من العمل على استقرار الأسعار و التوظيف الكامل و النمو الاقتصادي المستمر، خلال الستينات و السبعينات إلى هدف التحكم في التضخم، مع النظر إلى استقرار الأسعار كشرط ضروري، لتحقيق سائر الأهداف الاقتصادية بما في ذلك استمرارية النمو الاقتصادي.

و حاولت كل دولة عضو الوصول بمعدل التضخم بها أقل حد ممكن مقارنة بالمعدل الألماني. لكن بإتحاد الألمانيين بدأت معدلات تضخم في الارتفاع بشكل كبير و ارتفعت معها معدلات الفائدة مما أدى إلى حالة من حالات الركود الشديدة، و خلال الفترة من سبتمبر 1992 إلى ماي 1993 انسحبت الليرة الإيطالية و الجنيه الإسترليني من آلية أسعار الصرف و انخفضت البيزيتا الأسبانية ثلاثة أضعاف ، الأسكودو البرتغالي مرتين و الجنيه الايرلندي مرة واحدة ،على الرغم من ذلك أثيرت الشكوك حول انخفاض الفرنك الفرنسي مقابل المارك الألماني و من ثم إتخد البنك المركزي للاتحاد قرار لتوسيع هامش التذبذب إلى 2.25% إلى15%لكي تستعيد دول الاتحاد استقرارها السابق ، بجانب إمكانية تخفيض معدلات الفائدة كلما لزم الأمر . كما سمح للبنك المركزي الألماني بالحفاظ على استمرار أسعاره في الحدود المتاحة.

3- تقرير ديلور :

يتطلب تحقيق التكامل النقدي توحيد عملات كل دول الاتحاد بعملة واحدة يتم التعامل بهـا بين هذه الأقطـار، و هذه الدرجة العالية من التكامل تتطلب إيجاد بنك مركزي واحد للمنطقة ككل ، بحيث تكون هناك سلطة نقدية واحدة هي التي تحدد السياسة النقدية الواجبة التطبيق في المنطقة .

لهذا السبب أنشأ المجلس الأوروبي ( الذي يضم رؤساء دول و حكومات بلدان الجماعة ) في جوان 1988 لجنة برئاسة " جاك ديلور " و تضم محافظي البنوك المركزية للدول الأعضاء . و ذلك لوضع الخطوات التي تؤدي إلى قيام الاتحاد الاقتصادي و النقدي و قد اقترحت هذه المجموعة خطة لتحقيق الوحدة النقدية ووضع التقرير ثلاثة قواعد لهذه الوحدة :

التحويل الشامل للعملات.

تكامل البنوك و الأوراق المالية.

إلغاء هوامش التذبذبات و المحافظة على المساواة في أسعار الصرف للعملات الأعضاء.

كما أشار التقرير إلى الحاجة الماسة لوجود مؤسسة نقدية أروبية، إذ أن وجود سياسة نقدية واحدة لا يمكن في وجود قرارات مختلفة في عدة بنوك مركزية، و أقترح لهذا النظام النقدي الجديد : النظام النقدي للبنوك المركزية European System of Central banks"ESCB " و هو المسؤول عن تشكيل و تنفيذ السياسات الموجهة من قبل لجنة تابعة للـ "ESCB "



ثالثا- اتفاقية ماستريخت والتدرج للوحدة النقدية :

من اجل استكمال الخطوات السابقة , عقدت الدول الأعضاء في الجماعة الاقتصادية الأوروبية مؤتمر قمة في فبراير 1992 بماستريخت (هولندا ) لوضع التعديلات النهائية لمعاهدة روما ولتوقيع اتفاقية جديدة لإنشاء الاتحاد النقدي والاقتصاد الأوروبي .

-1-أهداف الاتفاقية :

تشمل مايلي:[8]

تشير اتفاقية ماستريخت في المادة الثانية (إن الهدف هو إنشاء سوق مشتركة واتحاد اقتصادي نقدي)وذالك عن طريق توحيد السياسات والأنشطة من اجل تدعيم النمو الاقتصادي مع توسيع نطاق العمالة والحماية الاجتماعية وتتضمن الاتفاقية تنظيم كافة نواحي الحياة تشريعيا,اجتماعيا ,إذ أنها تعتبر وثيقة عمل أوروبية .

-إما بخصوص السياسة النقدية تشير المادة 105 من اتفاقية ماستريخت الى (إن هدف نظام البنوك المركزية الأوروبية هو العمل على استقرار الأسعار وتدعيم السياسة الاقتصادية لدول الجماعة ) ومنحته الاتفاقية لذالك الاستقلالية الكاملة عن السلطات الوطنية الأوروبية .

- وفيما يتعلق بالسياسة المالية تهدف أتفاقية ماستريخت إلى تامين التنسيق الجيد بين السياسات المالية لحكومات الدول الأعضاء للمساعدة على إيجاد مزيج مناسب بين سياساتها الاقتصادية وهذا أمر ضروري من وجهة نظر السياسة النقدية ونظرا لوجود مجموعة من الميزانيات الوطنية كان من الضروري ممارسة رقابة دقيقة متبادلة وتنسيقا بين مختلف السياسات المالية في اقتصاديات الدول الأعضاء[9]

2- مراحل الوحدة النقدية:

- إن من أهم النتائج التي توصلت إليها المجموعة قبل معاهدة ماستريخت تحديد مراحل التكامل النقدي ( EUM ) ، كما وردت في تقرير لجنة ديلور ( Delors committee ) في أبريل 1989 التي حددت ثلاث مراحل للتوصل إلى الوحدة النقدية ، و هذه المراحل هي كالتالي : [10]

1- المرحلة الأولى:

تبدأ في يوليو 1990، و تتضمن تكملة التعاون و التنسيق الاقتصادي للتوصل إلى السوق المشتركة بنهاية عام 1992، و المشاركة الكاملة لجميع عملات دول المجموعة في النطاق-الهامش-الضيق لآية سعر الصرف.

2- المرحلة الثانية:

و هي المرحلة التي تبدأ في عام 1994، و يتم فيها إنشاء أو تكوين نظام البنوك المركزية ألأوروبية (ESCB)، و التي سيتم فيها التحول من مجرد التنسيق بين السياسات النقدية المستقلة لكل دولة من دول المجموعة إلى إيجاد صيغة لتطبيق سياسة نقدية موحدة، و كذلك الاستمرار في العمل على تقليص هوامش تحرك أسعار الصرف بين عملات دول المجموعة، و من المقرر أن تتبع دول المجموعة سياسات اقتصادية تهدف إلى تحقيق التقارب بين معدلات الأداء الاقتصادي، و خصوصاً فيما يتعلق بالمؤشرات الأربعة و هي:

- معدل التضخم، نسبة عجز الموازنة العامة إلى الناتج المحلي الإجمالي، نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي

الإجمالي و أسعار الفائدة طويلة الأجل.

3- المرحلة الثالثة:

خطط لهذه المرحلة أن تتم في قترة تتراوح ما بين 1998 و بداية 1999 على أكثر تقدير يتم فيها تحديد أسعار صرف دول المجموعة بشكل نهائي غير قابل للتغير، على أن يتم التعامل بعد ذلك بعملة واحدة هي (اليورو)، و من الجدير بالذكر أن المملكة المتحدة قد احتفظت لنفسها بحق عدم الانضمام إلى هذه المرحلة (الوحدة النقدية الكاملة).

- أما الفترة ما بين 1999 و 2002 تكون فترة انتقالية يتم التعامل فيها بال(EURO)، بجانب العملات الوطنية مع الانسحاب التدريجي لتلك العملات لصالح تعميم استخدام اليورو(EURO) [11]

3- شروط الانضمام للوحدة النقدية :

حددت معاهدة ماستريخت معايير يجب احترامها في آن واحد من طرف الدول الراغبة في الانتقال الى العملة الموحدة ,هذه المعايير تدعى بمعايير التقارب والتي هي :[12]

3-1- استقرار أسعار الصرف :

يجب ان تكون تقلبات العملة في خلال السنتين الماضيتين على الأقل على نطاق التقلبات الطبيعية لنظم الصرف الأوروبي

-2- استقرار الأسعار : 3

يجب أن لا يتعدى معدل التضخم 1.5 عن متوسط معدلات التضخم لأقل ثلاث دول أعضاء تضخما.

3 -3-عجز الموازنة :

يجب ألا يزيد معدل العجز الموازني عن 3 % من الناتج الإجمالي المحلي .

-4-الدين العام : 3

يجب إلا يزيد حجم الدين العام عن 60% من الناتج المحلي الإجمالي .

-5-أسعار الفائدة الطويلة الأجل:3

يجب ألا تتجاوز2% عن متوسط معدل أسعار الفائدة الطويلة الأجل في ثلاث دول التي تشهد أقل معدلات التضخم.

لقد استفاءت أحد عشر دولة هده المعايير وهي:

النمسا, بلجيكا,فنلندا,فرنسا,ألمانيا,ايرلندا,ايطاليا,لكسمبو رغ,اسبانيا,هولندا,البرتغال...

و ذلك في ماي 1998 .أما اليونان فقد استطاعت اللحاق بالمجموعة في أول يناير 2002,حيث أصبح الاتحاد النقدي الأوربي يمارس عمله بطرحه لليورو,أما باقي دول الاتحاد الأوربي التي ظلت خارج تلك الكتلة النقدية فهي (الدنمارك,السويد,المملكة المتحدة [13])

فوائد العملة الأوربية الموحدة: -4

للعملة الأوروبية الموحدة عدة مزايا و فوائد بالنسبة للاقتصاد الأوروبي وهي كالتالي :[14]

ا- فوائد داخلية :

تساهم العملة الأوروبية الموحدة في إكمال السوق الموحد الداخلي ولا يمكن إن نتصور وجود سوق واحد دون وجود عملة واحدة ,الشيء الذي يؤكد ضرورة وجود عملة أوروبية موحدة لأنها تسمح للأوروبيين من الاستفادة من فوائد السوق الموحد .كما تعتبر أداة فعالة للتسيير في الدول الأعضاء ,وذالك من خلال محاربة التضخم ,وضبط عجز الموازنة والمديونية العامة والتحكم في أسعار الفائدة وهي تسمح بخلق محيط اقتصادي مستقر وملائم وتفادي سلبيات ومخاطر تقلبات أسعار الصرف بين عملات الدول الأعضاء وتأثيراتها على الأداء الاقتصادي للدول الأعضاء .

ب-فوائد خارجية :

- تسمح العملة الأوروبية الموحدة في تحقيق استقرار العلاقات الاقتصادية والنقدية الدولية

-تعتبر العملة الأوروبية الموحدة من وسائل التسوية التجارية الدولية وعملة صعبة يحتفظ بها في محافظ الاحتياطات الرسمية في البنوك المركزية .

- على المستوى العالمي تسمح العملة الأوروبية الموحدة بان يتصدر الاتحاد الأوروبي اكبر القوى التجارية.

الديمقراطية


 طرح مسألة الديمقراطية في إطار جدلية الداخل والخارج تضيع أحيانا الفروق الجوهرية بين عملية بناء وتأسيس الديمقراطية وعملية إعادة انتاجها لذاتها بعد أن تأسست واصبحت قادرة على ذلك. وما يساهم في طمس الفروق أن الديمقراطية تصلنا جاهزة بعد تطور مئات السنين، مما يشجع البعض على التوهم بأنه ليس بحاجة الى تأسيسها ولا حتى الى تأسيس العناصر المكونة والآليات الاقتصادية اللازمة لاعادة انتاجها يوميا. وكأن الانتقال الى الموقف الديمقراطي هو انتقال من خيار استهلاكي الى خيار استهلاكي آخر، الى بضاعة أخرى رائجة، لا تأسيس ولا اعادة انتاج. ومن ناحية أخرى فإن ورود الديمقراطية الى المنطقة العربية جاهزة يعني أنه لا يمكن تخيل العودة من جديد على بداياتها بحق اقتراع غير معمم الا لفئة صغيرة مثلا ثم تعميمها تدريجيا، كما حصل في بريطانيا وفي فرنسا وغيرهما عبر تاريخ ديمقراطيات تلك البلدان. لا أحد يستطيع اليوم تخيل ديمقراطية دون حق اقتراع عام يمارسه حتى غير الديمقراطيين ودون حقوق ليبرالية وحريات تستفيد منها حتى قوى غير ليبرالية. ولكن وصول الديمقراطية الينا جاهزة لا يبرر لدعاة الديمقراطية التعامل معها كأنها “فاست فود” أو تقليعة، كما لا يصح الاعتقاد أنه لا توجد لدينا تجرية نبني عليها، فلا الليبرالية العربية بين الحربين العالميتين كلها أخطاء وارتباط بالاستعمار، ولا القومية الراديكالية في الخمسينات والستينات كلها أخطاء. فقد احتوت بعض عناصر الديمقراطية في ظل أنظمة غير ديمقراطية ومنها اشراك الجماهير في السياسة وتعميم التعليم، وتعميم توقع المساواة والعدالة الاجتماعية. وقد قادت الأخير في ظل عدم تلبيته إلى حركات غير ديمقراطية في كثير من الحالات التي تحول فيها المجتمع الجماهيري الى ترييف مدينة لم تستوعبه. ولكن الحركات الديمقراطية الحالية تستطيع ان تستند ايضا الى هذه القيم المتأصلة جماهيريا بفعل تأثير تيارات الخمسينات والستينات. فهذه تقاليد وتجارب راكمها مناضلون كانت لديهم نية حسنة على الاقل، وآمنوا فعلا بالمساواة والحرية وإشراك الجماهير ولكنهم انتهوا الى بناء أنظمة غير ديمقراطية. ولا شك أن عملية اعادة انتاج الديمقراطية في البلدان المتطورة وتعميمها من النخبة الى عامة الناس واختلاطها بالإعلام والثقافة الجماهيرية وثورة الاتصالات قد انتجت ظواهر من التعفن السياسي تلتها مظاهر التعب من السياسة والعزوف عنها وبحث الشباب عن معنى لحياتهم خارج اطار الحيز السياسي. كما ارتبطت صورة العمل السياسي بالتآمر الحزبي والوظائف والانتهازية النفعية وتغير السياسات والمبادئ قبل الانتخابات وبعدها وقبل ولوج الائتلافات وبعدها، وتحويل الانتخابات الى كرنفال والبرلمان الى سيرك، والمشهدية وحب الظهور والمكاوعة، (التسابق على الكاميرا وعلى الصف الأول بالدفع بالاكواع) والتنافس دون قواعد أخلاقية ضابطة، واستئصال العمود الفقري الأخلاقي من شخصية السياسي بعملية جراحية تجرى عشية ولوج عالم السياسة، والفصل بين الأخلاق والسياسة، وبين الأخلاق الخاصة والعامة...الخ. ويعرف هذه الظواهر ويعاني منها كل من عمل في السياسة البرلمانية وحافظ على حد أدنى من الحساسية، كما يعرفها كل من راقب العلاقة البورنوغرافية القائمة بين الإعلام التجاري والسياسة والتواطؤ بينهما.. وكلها ظواهر من الديمقراطية المتأخرة القادرة على الاستمرار دون ديمقراطيين لأنها ترسخت كتقاليد ومؤسسات تستوعب غير الديمقراطيين من صغار السياسيين وممتهني السياسة، وبإمكانها تحمل المطابقة بين الواقعي والانتهازي، ومرادفة النفعية بالانتفاع، وبوسعها تحمل اعتبار ال”ريال بوليتيك” نوعا من قابلية السياسي أن يسير على جثث ( مادية أو معنوية) نحو هدفه دون أن يرمش له جفن، واعتبارها موهبة وربما حتى فضيلة وميزة، كما أن بامكانها تحمل اعتبار اخضاع اي قضية مهما كان شأنها لحب الظهور موهبة إعلامية. لم تكن هذه أخلاق ولا مرحلة ولا نفسية الديمقراطيين المؤسسين أمثال توماس جفرسون أو بنجامين فرانكلين أو دانتون او مازيني او لويس بلانك او قادة الشارتيين وغيرهم من الديمقراطيين الراديكاليين الذين شقوا طريق الديمقراطيات الحديثة كحكم الأغلبية ولو كانت غير ليبرالية، ولا كانت هذه أخلاق الليبراليين الاوائل الذين لم يهتموا بحكم الأغلبية بقدر ما اهتموا بالدفاع عن قيم الحرية والملكية الخاصة، ولو في إطار حكم الأقلية. نقول ذلك دون تقديس لهم فقد كانوا بشرا يؤمنون بقيم تبدو لنا اليوم رجعية ومحافظة، كما أن بعضهم كان يناقض مبادئه في حياته الشخصية، وتكشف الأبحاث عن تناقضات هائلة في سلوكهم. ولكنهم كانوا جميعا أصحاب رؤية راديكالية لا تشتق قيمها من موازين القوى المحلية ولا العالمية، ولا تتبنى الديمقراطية كشعار دولي لان المصلحة باتت تقتضي ذلك. نحن نتحدث عن اناس رأوا في إصلاح النظام السياسي جزءاً من تصورهم للعدل والإنصاف في المجتمع. وكانوا سيبدون غير واقعيين، بل رومانسيين في ايامنا التي يتخذ فيها الديمقراطي شكل “اليابيز”. وبهذا المعنى نحن نتحدث عن ثوريين في بنيتهم الأخلاقية، وليس عن سياسيين من النوع الذي ينتقل الى الموقف الديمقراطي لانه يرى في ذلك مصلحة آنية دون أن يؤمن للحظة بالموقف الديمقراطي في إطار نضال من اجل مجتمع اكثر إنصافا وأكثر عقلانية، ودون أن يؤمن بالمساواة بين المواطنين كقيمة. قد تنتهي الديمقراطيات الى ان تصبح الديمقراطية كفكرة مسألة مؤسسات قائمة وراسخة تتم إعادة انتاجها، ونخبة ديمقراطية فعلا تحافظ عليها من طوفان الثقافة الجماهيرية غير الديمقراطية، وقد تتحمل الديمقراطية في مراحلها المتأخرة مواقف غير ديمقراطية عند السياسيين الا بالمعنى الانتهازي وذلك ضمن مؤسسات راسخة وبوجود نخبة ديمقراطية في السياسة والجامعات وفي غابة إعلامية لا تمت لقيم الديمقراطية بصلة. ولكني لا اعتقد انه يمكن البدء ببناء ديمقراطية بهذه النفسيات التي انتهت اليها الديمقراطية المتأخرة، فما كان بإمكان سياسيي اليوم الانتهازيين في الغرب من أمثال بوش الى أصغر مهني حزبي وكاتب خطابات بناء أي ديمقراطية. وبهذا المعنى فإن نموذج هوجو شافيز وحسن نصرالله ولولا في البرازيل هذه الايام يعد مثلا اقرب في بنيته الأخلاقية، وليس في افكاره او أهدافه، الى ثورية الديمقراطيين المؤسسين من سياسيين يناط بهم أمريكيا أو يريد أن تناط بهم مسألة بناء الديمقراطية في الشرق الاوسط الكبير من أمثال إياد علاوي او الجلبي أو غيرهما. ارى قلة من الديمقراطيين وشحة في النفسيات الإصلاحية في الحركة التي تتكيف حاليا مع الضغط الامريكي للحفاظ على حكم نفس النخب في المنطقة. والمسألة ليست مسألة كاريزما إطلاقا. الكاريزما فعلا غير موجودة، ولكن ليس نقصها هو المثير. فقد رأينا في هذه المنطقة وغيرها من مناطق العالم الثالث كارزميين كثيري الألوان وشديدي الغرابة جذبوا الصحافيين والصحافيات لمقابلات مثيرة ولكنهم لم يبقوا حجرا على حجر في مجتمعاتهم ولا حتى مما بناه الاستعمار فيها من مظاهر عمرانية. لا حاجة لكاريزما الزعماء الغريبي الأطوار. المزعج وجوديا هو غياب الرؤية، وغياب التطلع إلى مجتمع أكثر عدلا، وغياب الحماس للعدل والإنصاف الذي ميز دعاة بناء الديمقراطية حيث لم تكن موجودة. يبدأ عندنا البعض ديمقراطيته بالانحلال الذي يميز سياسيي الصفقات والائتلافات الحزبية التي تميز مراحل متأخرة من الديمقراطية. لا يعقل ان يتم في مرحلة التأسيس التعامل مع الديمقراطية في مصطلحات جاهزة من خطابات جورج بوش وكتبتها الأصوليين، وأن تستهلك كما يستهلك الهامبورجر او الكوكا كولا، وان يسمى المستهلك المجتهد في جمع الكوبونات والمقارنة بين محل مكدونالدز وآخر وبين “مول” وآخر فتح حديثا ديمقراطيا. ما وجه الديمقراطية في توجيه النصائح للفلسطينيين للتخلي عن حقوقهم؟ من ينصح بذلك هو ليس نمط السياسيين الذي يؤسس للديمقراطية. يقف الديمقراطي المؤسس عند الحقوق ويتمسك بها، وينتفض ضد الظلم، ويرفض فرض القوة بدل إحقاق الحق، ويرى أصلا تناقضا أخلاقيا بين الحق والقوة، كما رأته هنا ارندت مثلا في أطروحتها عن العنف. ليس الديمقراطي مجرد سياسي مهني في إطار ديمقراطي يبحث عن مصلحته أو مصلحة حزبه بموجب موازين القوى القائمة، فيؤيد قرار الأغلبية “الإسرائيلية” الديمقراطية مثلا بشأن مستقبل الفلسطينيين، أو يؤيد حق المرأة بالمساواة بما في ذلك حقها في قيادة طائرة تقصف ايضا الفلسطينيين مثل الرجل. هذه ديمقراطية شكلا، ولكنها تقوم على قيم تكريس قمع واحتلال شعب آخر وتكريس القيم العسكرية التي تكرس دونية المرأة. ليس الديمقراطي هو من يعتبر كلام شارون الرافض للانسحاب ولتنفيذ قرارات مجلس الأمن خطوة الى الامام لانه يتضمن فك ارتباط في قطاع غزة في حين ليس لديه كلمة ايجابية يقولها عن دولة درست الوضع في دولة مجاورة في سياقه الدولي الجديد وقررت سحب قواتها بالكامل من هناك رغم أن قواتها موجودة ضمن اتفاق بين دولتين سياديتين. الديمقراطي في مرحلة التأسيس هو فرد يؤمن بالقيم الديمقراطية ولا يعتبرها حصيلة تبدل مصلحة أو مزاج القوي في عالمنا. يقول الامريكي الذي تحول من راعي بقر الى راعي الديمقراطية في خطابه الأخير يوم 8 مارس/آذار امام جامعة الأمن القومي “فورت ليسلي ماكنير” ان الانتخابات البلدية في السعودية هي مبشر بالديمقراطية وخطوة الى الامام، كما يرى أن الانتخابات الفلسطينية خطوة للتحرر الفلسطيني من “ارث العنف والفساد” الفلسطيني، وليس من الاحتلال “الاسرائيلي”، ويرى ايضا ان انتفاضة اللبنانيين ضد الوجود السوري هي انتفاضة من أجل الديمقراطية تندرج ضمن انجازات الحرب الأمريكية على الإرهاب التي خصص الخطاب لتعدادها. هل لاحظت عزيزي القارئ ان بوش فطن في خطاب الأمس بقدرة قادر أن يدرج في عملية ضد قواعد المارينز في بيروت من العام 1983 وذكرها بنسق واحد مع عملية 11سبتمبر/ايلول بعد ذلك بسبعة عشر عاما وبعمليات التفجير ضد السفارات الامريكية في افريقيا؟ نقطة للتفكير. وكنا قبل سنوات نذكره بلبنان الذي لم يذكره في اي من خطاباته ولا حتى كمثل على احتمالات وآفاق وبراعم الديمقراطية المبشرة في العالم العربي. فجأة تذكر بوش لبنان بين عملية مقاومة ضد المارينز اعتبرها من نوع عمليات القاعدة واحتجاج لبناني مشروع اعتبر من نوع الثورات المخملية. لقد قص بوش في خطابه تناقضات لبنان الحيوية واختلافاته وتنوعه على مقاسه واختزلها الى النموذج الامريكي في الخير والشر. ولكن أليس على اي ديمقراطي عربي أن يذكره ان مظاهرة بحجم مظاهرة القوى الوطنية اللبنانية في نفس يوم خطابه تتجمع وتتفرق دون فوضى مئات الأمتار من موقع مظاهرة مناقضة وتمر دون عنف ودون تدخل بوليس وفي مرحلة ازمة حكم هي دليل على انه في هذا البلد تتوفر ثقافة ديمقراطية وجدت قبل ان يتشرف هو بذكر لبنان في خطاباته بهذا الشكل التخريبي الذي يؤسس لفتنة؟ انها وظيفة الديمقراطيين العرب ان يذكروه بذلك. عكست تظاهرات المعارضة والقوى الوطنية اللبنانية ثقافة ديمقراطية. ولا اعتقد ان مظاهرات بهذا الحجم، وفي مثل هذا الاستقطاب السياسي والاجتماعي، كانت سوف تمر بسلام ومن دون غاز مسيل للدموع وجرحى وقتلى في “اسرائيل” الديمقراطية. لم تنبت الثقافة الديمقراطية اللبنانية من بذرة بذرها تدخل أمريكا في العراق، ولا من خطاب بوش، ولا بعد القرار ،1559 بل كانت موجودة يعيبها التوازن الطائفي والسلالات العائلية وضعف المواطنة مفهوما وممارسة، وتدخل المخابرات في الحياة السياسية وغير السياسية بتواطؤ من قبل تنوع الطوائف والزعامات والسلالات غير الديمقراطي، والتعدد غير الديمقراطي القائم، واستسهال البحث عن عملاء بدل حلفاء أحيانا. وقد استفادت المعارضة اللبنانية من تقاليد ديمقراطية قائمة في تظاهراتها، ولم تؤسس لها كما حصل في ربيع براغ أو انتفاضات جورجيا واوكرانيا وغيرها، كما استفاد منها مؤيدو المقاومة والتحالف مع سوريا في لبنان في تظاهرتهم الجبارة. من الطبيعي الا يذكر بوش ذلك لانه ليس ديمقراطيا، رغم أنه قرأ كتاب ناتان (اناتولي) شيرانسكي واصبح أحد مصادره عن الديمقراطية، بل هو يستخدم الديمقراطية كسياسة هيمنة دولة عظمى. ولكن الا يجدر بالديمقراطيين العرب تذكيره بهذه الوقائع والحقائق اللبنانية؟ تفترض هذه الإرادة رغبة الديمقراطيين العرب بالاستناد الى شرعية جماهيرية، كما تفترض رغبة بدمقرطة الثقافة السياسية الشعبية بواسطة تقريب هم الديمقراطية من هموم الجماهير. ولكن النفسيات المنتشرة تستند الى موازين القوى الدولية والأجندة الأمريكية، وتأمل أن تنعكس هذه الأجندة على ساحتها المحلية دون ان يكون لديها مشروع ديمقراطي متعلق بمستقبل البلد، ودون رؤية شاملة تحررية تشمل فيما تشمل التمسك بمبادئ العدل والإنصاف. وخلافا لما يعتقد ديمقراطيونا الجدد لم يكن الديمقراطيون الأوائل برجوازيين يسعون من أجل الربح ولا كانوا سياسيين فاسدين يبحثون عن رافعة جديدة نحو التحكم بمقدرات المجتمع. تستطيع ايران أن تصرخ انه ليس لديها سلاح نووي ولا تنوي انتاجه ويرد العالم مع امريكا أنها تريد انتاجه، ويستطيع كيم يونج ايل المجنون المنحرف السفاح ان يصرخ ويقسم أغلظ الايمان مؤكدا أن لديه سلاحاً نووياً، وان تجزره استراليا باسم امريكا بأنه كاذب ولا يملك سلاحا نوويا. ويستطيع الرئيس السوري ان يؤكد ان قرار 1559 هو قرار سيئ ومخالف لميثاق الامم المتحدة اذا جاء بدون تهديد للسلام والامن الدوليين كما ان اياً من الأطراف صاحبة الشأن لم يتوجه طالبا مساعدة مجلس الامن، وانه مع ذلك لا يريد تضييع وقت احد في مناقشة مدى انصاف هذا القرار وعدالته، لأنه لا توجد عدالة ولا يوجد قانون دولي فعلا في عالمنا، وأنه سوف ينفذ الشق المتعلق بسوريا منه رغم ذلك كله. ولا ترد أمريكا ولا حتى بمديح للبراجماتية او الواقعية التي ارتاح لها شعبه على الاقل، ناهيك عن تجاوب المجتمع اللبناني مع هذا الأسلوب، بل تؤكد أمريكا انها انصاف حلول ومناورات سورية. ولا تقول حتى انها خطوة ايجابية تنتظر المزيد. مجرد كلام عدائي عدواني. فسوريا مستهدفة “إسرائيليا” وبالتالي أمريكيا. وحتى لو دخلت ديرا فرانسيسكانيا فسوف يلحقها شارون وبوش مطالبا ان تلغي نفسها على كرسي الاعتراف. ويستطيع شارون، وهو مجرم حرب معروف، ان يقول بالصوت والصورة انه لا يريد، لا يريد، لا يريد تنفيذ قرارات مجلس الامن بشأن احتلال “اسرائيل” لأراض سورية وتستطيع امريكا أن ترد على الرفض بأجمل منه وبأن تصريحه مع ذلك يشكل تقدما الخ. هكذا يبدو الجانب المظلم من عالم مارثا ستيوارت التي تنشغل امريكا بها حاليا، عالم الاستهلاك الإعلامي وعالم جورج بوش ورامسفيلد وكوندوليزا رايس وبقية البلطجيين. حسنا، ولكن صوت الديمقراطي العربي المؤسس هو الذي يجب ان يبرز في مثل هذه الحالة كصوت العدالة، صوت رفض منطق قرار 1559. يطالب وزير عربي سوريا من تل ابيب بتنفيذ القرار 1559 فورا وبدون تأجيل. من تل ابيب التي ترفض فورا ومن دون تأجيل تنفيذ اي من قرارات مجلس الامن، وتحتل فورا وبدون تأجيل أراضي عربية وتنكل بشعب عربي وتبني جدارا خلافا لقرارات المحكمة الدولية. ولا توحد البلد كما فعل الجيش السوري بل تقسمها، ولا تبني او تحمي عملية بناء بل تهدم ما كان مبنيا في فلسطين حتى قدومها. فأين الصوت العربي الديمقراطي الذي يعترض بقوة على هذا الكلام في هذا الموقع. يفترض الا يترك الديمقراطي معارضة مداهنة “اسرائيل” الشارونية ورفض هذه الانتقائية في تنفيذ أضعف قرارات مجلس الأمن وأقلها شرعية، للاصوليين غير الديمقراطيين. مثلما لا يفترض ان يعتبر الديمقراطي القضايا الوطنية مجرد شعارات اذا اراد ان يبني ديمقراطية وطنية ذات شرعية شعبية. هنالك عطب بنيوي يجعل الديمقراطية العربية تبدو كأنها مستوردة كنوع من “الفاست فود” لابناء البرجوازية الوسطى واليابيز من كافة الانواع الذين يعتقدون بكل التواضع المطلوب أنهم يعرفون “كيف يدار العالم” و”كيف تسير الامور” أو “كيف الدنيا ماشية” بمنطق ال “سي اي اوCEO “ ولو سألهم شخص متواضع ان يفسروا له سر ادارة العالم لقالوا كلاما لا يقوله ديمقراطي، من نوع الدنيا مصالح ويجب ان يبحث كل حاكم عن مصلحته. ولكنهم لم يبنوا ولن يبنوا ديمقراطية من اي نوع. استطاعوا سابقا التعايش مع اي ديكتاتورية ترضى عنهم وعن مسار اعمالهم، وترضى عنها أمريكا حاليا ولاحقا يستطيعون التعايش مع ديكور وإكسسوار إصلاحي. ويستطيعون التعايش مع أي ظلم اجتماعي ومع تعددية طائفية وتوازنات طائفية ودون مواطنة حقيقية. هكذا تم عن قصد تسويق تحرك مهم فعلا في الشارع اللبناني كأنه ثورة مخملية وتحرك آخر أكبر منه ولا يقل عنه مخملية تم تجاهله في خطاب بوش كأنه لم يكن. اين الديمقراطي العربي في هذه الحالة من هذا التقسيم النوعي للأكثرية كأقلية وللأقلية كأكثرية؟ ثم لا يستطيع الديمقراطي العربي ان يصمت بتواطئ على جريمة اعتبار الاكثريات هي الاكثريات الطائفية والأقليات هي الاقليات الطائفية او العرقية او المذهبية بتجاهل تام للمواقف او الأفكار او البرامج المتطرقة لمصلحة ومستقبل المجتمع ككل وبتركيز على هوية السياسي وانتمائه. ومع ذلك يسود الصمت. ويتم الاستئساد والاستقواء بالموقف الامريكي. وتكفي وجهة دعم الامريكان لتحديد هوية القوى الآخذة بالافول تاريخيا، القوى التي تؤمن بالشعارات الرنانة والطنانة التي عافها الناس من جهة، وهوية القوى الصاعدة الشبابية الربيعية المخملية، وهذه طبعا ليست شعارات رنانة ولا طنانة. أما مسألة مدى ديمقراطية أي من المواقف فتتحول الى مسألة جانبية مقابل المشهد الذي انفعلت منه حتى “اسرائيل” التي لا تصدق ان شيئا كهذا ممكن في دولة عربية. وما ان كمل المشهد بجماهير مسالمة ولكن بأعداد أكبر وتنوع طبقي أكبر خلف شعارات مناهضة ل “اسرائيل” وأمريكا حتى تم تجاهله، وأطلقت عليه تسميات أخرى من نوع تظاهرة الموالين لسوريا، تظاهرة حزب الله، لا ربيع ولا مخمل ولا خمائل. الطريق الى الديمقراطية تمر من هنا، من الدفاع عن هؤلاء المتظاهرين في وجه بوش الذي يصر على اعتبارهم استمرارا للعملية ضد المارينز. الطريق الى الديمقراطية تمر عبر التلاقي المخملي الربيعي مع هموم الناس من مختلف الطبقات، ومن ضمنها الهم الوطني. لم يكن الشاعر العربي القديم يبالغ أو يخطىء التقدير وهو يعكس قيمة الحرية والكرامة في البيت المشهور: ماء الحياة بذلة كجهنمٍ وجهنم بالعز أطيب منزلِ لقد كان الشاعر بذلك يرفض العبودية والخضوع للقهر أياً كان مصدره ووصل به الاعتزاز بكرامته والتمسك بحريته الى درجة يرفض معها الحياة ذاتها والقبول بالنار إن كان يترتب على الحياة إذلال للنفس وإخضاعها لما لا يليق، ولأن حريته فوق كل اعتبار. وما من شك في أن ذلك كان هو شأن الإنسان العربي في قديم الزمان وهو ما منحه القدرة على مقاومة الأعداء والغزاة ومكنه من الانتصار على كل ما من شأنه أن يضعه تحت ظروف من المذلة والهوان. وأزعم أن العربي رغم قسوة الأيام واشتداد المواجهات وتنوع الأعداء لا يزال هو ذلك الذي صوره الشاعر القديم إنساناً للتحدي ورفض الاستسلام والخنوع، ومقاومة كل الاغراءات التي تفقده حريته وتقيد آراءه حتى لو كان ذلك التقييد بسلاسل من ذهب. وفي هذا الصدد فإن العربي الذي يؤمن بالحرية ويشتاق الى الديمقراطية وينتظر يوم تحققها بكل طاقات الحنين التي تكونت عبر القرون الأخيرة، لن يقبل تحت كل الظروف أن يبيع حريته وكرامته بأوهام وأحلام من صنع الآخر المراوغ والتي لا ولن يتحقق منها سوى السراب. وهذا هو سبب عزوف العربي التام وتقززه الشامل من ديمقراطية يحملها الغزاة على الدبابات وفي رؤوس الصواريخ! إن صوت ذلك الشاعر القديم الذي يفضل الموت على الحياة الذليلة لم يكن سوى صوت الحرية والتمسك بقيم الكرامة، وما أظن أن العربي المعاصر على استعداد لأن يتخلى ولو ليوم واحد عن تلك القيم أو يفرط بكرامته مقابل إغراءات يكذبها الواقع وتصطدم أقوالها مع أفعالها. كما أن هذا العربي الذي ترسخت في وجدانه معاني الحرية في أسمى معانيها لن يستجيب لدعاة العبودية الجدد أولئك الذين لا يترددون عن بيع أنفسهم وأوطانهم وتاريخهم لتحقيق مصلحة ذاتية آنية والاندفاع وراء شعارات يطرحها العدو ويراهن على تحقيقها خدمة لمصالحه هو وتمكيناً لأهدافه المتمثلة في السيطرة والهيمنة السياسية والاقتصادية. العربي لن يحتاج للبقاء في جهنم حفاظاً على كرامته، بل يحتاج فقط الى مقاومة الأجنبي الذي يسعى الى استعباده تحت مسميات ودعاوى تثير السخرية والاحتقار. أكبر أخطاء أميركا في تطور (أو تحلّل) ما أسمته مبادرة إصلاح الشرق الأوسط ليس أنها حاولت ركوب موجة التوق الديمقراطي لدى الشعوب العربية, فذلك كان سيرسيها على شاطئ صلب, بل إنها فقدت بوصلتها الإستراتيجية تماماً إلى حد أن ما تظن أنه شطارة ومهارة لعب على الحبلين أدى إلى أن تدخل حلقة ردود الفعل لأفعال لا تفهم كنهها لأنها لا تفهم فاعليها. جذور هذا الخطأ الأميركي الإستراتيجي بدأت قبل أكثر من خمسة وثلاثين عاماً مع هنري كيسنجر ونظريته القائلة إن أميركا لا تحتاج لسياسة خارجية, ولا لدبلوماسية, فقط "لإدارة أزمات" !! وبالفعل لم يعد لأميركا منذ ذلك الحين سياسة خارجية. وإذا كان ما روج لنظرية كيسنجر لدى الأميركان (فيما يتعلق بالعالم العربي موضوع مقالتنا هذه) هو ما بدا وكأنه إنجاز حققه كيسنجر في اختراق مصر لصالح إسرائيل, فإن هذا, يعتبر أولاً: خدمة سياسية لإسرائيل وليس لأميركا التي فقدت كامل الشارع العربي (أو ما كان تبقى لديها منه). وثانياً: ما اخترقه كيسنجر كان حالة فراغ سياسي في مصر بعد رحيل زعيمها التاريخي عبد الناصر فجأة. والفراغ لم ينشأ فقط لأن أنور السادات أودع في السجن, حرفيا ومجازياً, كل التيارات السياسية وكل قيادات الرأي بدءاً بالسياسيين وانتهاء بالشعراء والفنانين, بل لأن السادات نفسه لم يشكل بديلاً سياسياً لكل هذا الذي صادره ولا لأي جزء منه, وإنما مثل حالة "خواء" سياسي. والطريف أن كيسنجر نفسه يعرف هذا عن السادات وهو ما استثمره ليستدرجه إلى طريق لا عودة له بعدها إلى مصر والأمة العربية. حينها توقعنا مصير السادات المحتوم, دون أن نزعم أننا نقرأ الأبراج أو يُكشف لنا الغيب, كما فعل المتنبئون باغتيالات مشابهة هذا العام. ومعنى يقيننا هذا الذي لم يخطئ, هو أن الذين قتلوا السادات ليسوا الإسلاميين المتطرفين, كل ما حصل أن هؤلاء سبقوا غيرهم إلى هذا. فتصفية السادات كانت الخطوة التالية المحتومة, سواء أدرك ذلك أم لم يدركه كيسنجر, صاحب نظرية "الخطوة خطوة"!! وقد يكون اغتيال السادات أول "فعل" شعبي عربي في اتجاه التغيير, والأرجح أنه لم يفهم على أنه كذلك من قبل الساسة الأميركان, وفي مقدمتهم كيسنجر مهندس كامل المرحلة حتى احتلال العراق, بل تم إدراجه في قائمة التعميمات الساذجة المسماة "التطرف والإرهاب", ذات القائمة التي أدرج فيها بن لادن والزرقاوي, وانتهى بهما الأمر كأعداء أنداد "للقوة العظمى" و"للقطب الأوحد" في عقر داره وفي قلب مصالحه!!! كل هذا لأن أميركا لا تقرأ الفعل في سياقه, في إطار فهم الفاعل وفهم التاريخ. وقرار أميركا بأن تتوقف عن القراءة جاء يوم تبنيها نظرية كيسنجر بأن أميركا ليست بحاجة لسياسة خارجية. ولكي نفهم لماذا يعتقد كيسنجر أن هذا ينطبق على عالمنا العربي (هو أول من أسماه شرق أوسط, ومنه تبلور مشروع بيريز بشأنه وجاءت مبادرة بوش لإصلاحه), علينا أن نتذكر أن كيسنجر يعتقد أن السياسة في العالم العربي هي سوق كل شيء فيه قابل للبيع, وبأن هنالك بائعا واحدا هو "شيخ القبيلة" الذي إن تمنع فلأجل المساومة, وهو يبيع في النهاية!! وهكذا باع أنور السادات, ولكنه دفع الثمن ولم يقبضه. فالسادات, مثل أميركا التي سار في ركابها خطوة خطوة, أصر على ألا يفهم مدلول الفعل الذي لا يتأتى إلا من فهم الفاعلين وفهم التاريخ, فكانت كلماته الأخيرة: مش معقول!! وعودة إلى شرق أوسط كيسنجر وبيريز (في تصور أميركا), أو العالم العربي (في رؤيتنا نحن), وما قيل في الإعلام الرسمي من أن الأنظمة العربية رفضت مبادرة بوش لإصلاحه, بينما قال الإعلام الشعبي إن الأنظمة خضعت للضغوط المتضمنة فيها. وكلا الأمرين صحيح, فغالبية الأنظمة لا تريد الديمقراطية والشفافية والإصلاح لأنها تعتقد أن هذا في غير مصلحتها, وغالبيتها, إن لم نقل كلها, تخضع لأميركا بتفاوت يتناسب عكسياً مع شرعيتها أو قبولها شعبياً داخل أقطارها. والضغط على الأنظمة جزء من أهداف المبادرة!! ولكي تخرج الأنظمة العربية من مأزق المبادرة مع ضمان إبقاء شيء من ماء الوجه لأميركا عند الشعوب العربية, تم الاتفاق على أن يعلن الطرفان وجوب (حسب النص العربي) وأفضلية (حسب النص الأميركي) أن تكون مبادرة الإصلاح نابعة من الداخل وليست مفروضة من الخارج. ولا يهمنا هنا ما جرى من تعيين لنساء رجال الحكم في مواقع بالحكم, ولا ما عقد من مؤتمرات تحت رعاية رجال الحكم ونسائهم.. ما يعنينا هو هذا التغيير الذي أُدخل على تعريف الإصلاح السياسي والذي استبدل كلمة "الديمقراطية" بعبارة "الحكم الرشيد" أو "الحكم الصالح"!! وهذا إن بدا وكأنه مقتل طموحات الشعوب العربية للديمقراطية, مرحلياً, فإنه في الحقيقة مقتل مصالح أميركا في المنطقة "إستراتيجياً " وعلى المدى البعيد!! والسبب أن أميركا لا تفهم الفاعلين ولا تقرأ التاريخ. "فللحكم الصالح" في التاريخ مفهوم بات غائبا عن أدبيات السياسة في الغرب منذ قرون, فهذا التعبير بات جزءاً من تاريخها القديم السابق لكل أشكال الديمقراطية الغربية منذ بواكير نشوئها وحتى تبلورها في أشكالها الحالية. بل إن تعبير "الحكم الصالح" لا نجده عندهم إلا في أدب الأطفال, في حكايا الملك الصالح والملكة الشريرة ومرآتها الناطقة والأميرة المسحورة النائمة بانتظار الأمير المخلّص.. وينتهي الأطفال إلى اكتشاف أنه مجرد خيال لاعلاقة له لا بالواقع ولا بالتاريخ, ويأسفون على الكذبة الحلوة التي لم يعد بالإمكان تصديقها, تماما كما يأسفون على سانتا كلوز!! أما في التاريخ العربي, فإن الماضي متصل بالحاضر على امتداد أكثر من أربعة عشر قرناً. فمن الخليفة العادل عمر الفاروق, إلى عمر بن عبد العزيز(الذي يقرن بابن الخطاب رغم الفروق الجذرية!!) إلى المعتصم (الذي لبى نداء امرأة واحدة على حدود بلاده وسيّر لها الجيوش وقهر جحافل الروم!!) إلى هارون الرشيد (الذي بدت أوروبا بدائية في ظل الحضارة التي أوصل إليها إمبراطوريته العربية) إلى صلاح الدين (محرر بلاد العرب من الغزاة التتار) إلى محمد علي (صاحب رسالة التنوير وأبي النهضة العربية) إلى عبد الناصر(رمز الوحدة العربية ونظافة اليد في الحكم) إلى صدام حسين (مجسد حلم أن نفط العرب للعرب ووريث صلاح الدين عسكرياً في نظر الشعوب حتى اقترن الاسمان).. والأخير شارف حد الأسطورة وهو حي وفي أواخر القرن العشرين وليس في خرافات موروثة من قرون مضت. فقد عمت العالم العربي روايات عن ظهور اسمه مضيئاً في السماء, حين كانت جيوش التحالف الثلاثيني تحشد ضده. أما من كانت لهم تحفظات عليه من الكتاب السياسيين, فقد عاد و"تطهر" في نظرهم, بل وباتت سيرة عائلته تقرن بمأساة الحسن والحسين, حين قتل ولداه في قتال غير متكافئ لم يستسلما فيه وآثرا "الشهادة". وصدام نفسه أصبح "شيخ الأسرى" العرب عند المحتلين لأرض العرب في العراق وفلسطين, واستحضر معارضوه السابقين قصائد رثاء قيلت في عبد الناصر عند وفاته من قبل شعراء كانوا معتقلين في سجونه أثناء حياته, وفي مقدمتها قصيدة الشاعر الشعبي أحمد فؤاد نجم التي يقول فيها "إن كان جرح قلبنا, كل الجراح طابت" (أي شفيت)!! هذا التراث يتشارك فيه التياران الأقوى على الساحة العربية: القوميون والإسلاميون، وهما لا يختلفان فيه إلا حديثاً جداً, على عبد الناصر وصدام بالذات. والسبب ليس لأن لهذين الزعيمين خلافات وصدامات مع الإسلام السياسي, فلهما صدامات مع غيره وأحدثوا جراحاً كلها "طابت". الصدام هو لأن الإسلاميين بالذات ليسوا معارضة "ديمقراطية" كما يحتم الحكم الشمولي لهذين أن تكون المعارضة (فالنهج القومي لا يجرؤ أحد على الجهر بالاعتراض عليه), وإنما هم معارضة "إحلالية".. يريدون الحلول محل هذين ومحل كل الحكام العرب, ويزعمون أنهم المؤهلون أكثر ليكونوا "الحكام الصالحين" أي "الديكتاتوريات العادلة"!! وتبقى المعارضة العربية الحقيقية هي تلك الفئة المتنورة التي تأثرت بالحضارة الغربية في مكونيها الرئيسيين: العلم (العقلانية) والديمقراطية, وعلى يدها بدأت النهضة العربية في أواخر القرن التاسع عشر وتوارثتها عبر أجيال مثقفيها. هذه الأقلية تمكنت في العقود القليلة الماضية من حشد أغلبية كبيرة في الشارع العربي, تضم الليبراليين والقوميين واليساريين وحتى رجل الشارع البسيط, وراء مطلب واحد مشترك هو الديمقراطية. هؤلاء عمر دعوتهم الحداثية قرن واحد, ولكنهم قووا وانتشروا بفعل إقناع العقل وقوة المنطق, وليس بهالة قداسة أو سحر أسطورة تجيّش "مجاهدين" إسلاميين أو "فدائيين" قوميين. الآن حين يخذل العالم الديمقراطي هؤلاء, ويقال لكل من ساروا وراءهم إن الديمقراطية عندما تترجم للعربية تصبح "الحكم الصالح لحكام فاسدين".. فإنهم لا يملكون إلا سحب دعوتهم الفتية, وانتظار "خليفة" مهدي منتظر, أو زعيم قومي مخلّص, يضيء اسمه سماء ليل الأمة المظلم!! حلم الشعوب العربية هذا, هو أكبر من مجرد "أزمة" بالنسبة لأميركا, هو أسوأ كوابيسها على الإطلاق.. وعندما يتحقق ستكتشف أميركا أن النهج الكيسنجري في "إدارة الأزمات" قد ورطها, خطوة خطوة, فيما هو أكبر من حرب فيتنام التي استنزفتها لأربع سنوات دامية.. ستكتشف أنها على امتداد خمسة وثلاثين عاماً قد استنزفت بنفسها كل ما يلزمها للعب دور ذي شأن في "السياسة الخارجية" حين أضاعت بوصلتها!!

dimanche 25 mars 2012

dimanche 16 janvier 2011

ما هو علم الاجتماع؟

مقدمة

علم الاجتماع هو الدراسة المنتظمة للمجتمعات الإنسانية بتركيز خاص على الأنساق الصناعية الحديثة. مجال علم الاجتماع واسع جداً ويدرس علماء الاجتماع كل العلاقات الإنسانية، الجماعات، المؤسسات والمجتمعات، علاقات الزواج، الصحة و المرض، الجريمة والعقوبة. كل هذا يقع ضمن مجال علم الاجتماع.

في هذا الفصل سنتعرف تدريجياً علي كيفية اكتساب الخيال السوسيولوجي (الاجتماعي) إضافة إلى ذلك سنتعرف على نشأة علم الاجتماع كمجال معرفي، أطره النظرية الأساسية وأساسه العلمي. في الختام نناقش كيف يمكن لعلم الاجتماع أن يساعدنا في حياتنا العامة.

1/1 تطور المنظور الاجتماعي

أوضح عالم الاجتماع الأمريكى سى رايتز ملز أن الخيال الاجتماعي هو مقدرتنا على الإفلات من ظروفنا الفردية والنظر إلى عالمنا الاجتماعي في ضوء جديد. ولد علم الاجتماع أثناء محاولة شرح التغيرات الاجتماعية الناتجة من الثورة الصناعية وسيساعدنا المنظور الاجتماعي على فهم هذا العالم والمستقبل الذي يخبئه لنا.

تطور المنظور العالمي والشامل يدل على الأهمية العظمى لعلم الاجتماع لأنه يفتح أعيننا على حقيقة أن اعتمادنا المتبادل مع المجتمعات الأخرى يعنى أن أفعالنا لها نتائج على الآخرين وأن مشاكل العالم تؤثر علينا.

1/2 تطور التفكير الاجتماعي

يشتمل علم الاجتماع على مداخل نظرية متنوعة. فالمجادلات النظرية يصعب حلها حتى في العلوم الطبيعية، ونواجه في علم الاجتماع صعوبات إضافية بسبب المشاكل المعقدة المتعلقة بوضع سلوكنا موضع الدراسة. ويمكننا تعريف النظرية بأنها بناء لتفسيرات مجردة يمكن استخدامها لشرح مواقف إمبريقية متعددة ومتنوعة.
أسهم في تطور التفكير الاجتماعي على مر القرون القليلة الماضية عدد من العلماء والمنظرين الاجتماعيين أهمهم:

*أوغست كونت(1798ـ1857)
فرنسي الجنسية، أوجد مصطلح (سوسيولوجي)، وكان يعتقد أن علم الاجتماع يمكن أن يوفر معرفة بالمجتمع قائمة على الدليل العلمي. نظر كونت إلى علم الاجتماع كموفر لوسائل التنبؤ بالسلوك الإنساني والسيطرة عليه، وهذا بدوره كما يرى كونت سيسهم في رفاهية الإنسان.

*إميل دوركايم(1857ـ1917)
فرنسي الجنسية، يرى أن التغير الاجتماعي يقوم على تطور تقسيم العمل. شدد دوركايم على أن على علم الاجتماع دراسة الحقائق الاجتماعية، تلك الجوانب من الحياة الاجتماعية التي تشكل أفعالنا كأفراد.
وليتمكن المجتمع من الوجود المتواصل عبر الزمن، على مؤسساته المتخصصة العمل في تناغم مع بعضها البعض كما عليها أن تؤدى وظيفتها ككل متكامل ومندمج.

كارل ماركس(1818ـ1883)
ألماني الجنسية، يرى أن التغير الاجتماعي يتأتى من التأثير الاقتصادي. يرى ماركس أن نموء الرأسمالية هو القوى الدافعة لكل التطورات الحديثة. كما أن الرأسمالية عملت على انقسام المجتمع في طبقات متصارعة.

ماكس فيبر(1864ـ1920)
ألماني تتعلق معظم كتاباته بالثقافة الحديثة والرأسمالية. يعطى مدخله النظري أهمية خاصة إلى تركيز دوركايم على أهمية القيم والأفكار في المجتمع. على الرغم من أن فيبر لم ينكر أهمية التأثيرات الاقتصادية فقد حاول توضيح كيف أن القيم والأفكار مثل الدين والعلم يمكن أن تشكل المجتمع. ويرى فيبر أن القوى الدافعة الأساسية للتطورات الحديثة هي العقلانية في الحياة الاجتماعية والاقتصادية. تعنى العقلانية تنظيم الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية على ضوء مبادئ الفعالية وعلى أسس المعارف التقنية. قدم فيبر مساهماتٍ مهمةً في علم اجتماع الأديان.

1/3 بعض المبادىء المهمة
يقدم علماء الاجتماع تفسيرات متباينة وأحيانا متناقضة لما يجري في العالم الاجتماعي. وأسباب هذا الاختلاف تكمن في اختلاف المنظورات والمداخل والمناهج والنظريات التي يستخدمها أولئك العلماء، والتي نتناولها فيما يلي بشيء من التفصيل:
* المنظورات: وهي الطرق المختلفة التي يفهم بها علماء الاجتماع العالم الاجتماعي. والتصنيف العام للمنظورات يشتمل علي عدد من الأنواع هي:

أ/ منظور الفعل
ويري هذا المنظور أن بناء العالم الاجتماعي نتاج لعملية ينسب فيها الأفراد المعني للسلوك والمواقف. لذلك فإن الأفراد هم الذين يصنعون المجتمع. والنظريات الاجتماعية التي تتبع هذا المنظور هي نظريات الفعل الاجتماعي، التفاعلية الرمزية ونظرية الأثنوميثودولوجي.

ب/ المنظور البنيوى
ويري هذا المنظور أن العالم الاجتماعي له وجوده المستقل عن الأفراد الذين نجد أن سلوكهم مقيد بواسطة القوي الاجتماعية الخارجية. يري هذا المنظور أن المجتمع هو الذي يصنع الفرد. وينقسم المنظور البنيوي إلي نوعين:

منظور الوفاق، ويري أن المجتمع متوافق ومنسجم مع النظام المبني علي القيم المشتركة. والنظرية السائدة ضمن منظور الوفاق هي النظرية البنائية الوظيفية.
منظور الصراع، ويري أن الصراع أمر طبيعي، وأن النظام يفرض بواسطة الأقوى علي الأضعف. والنظريات الأساسية ضمن هذا المنظور هي النظريات الماركسية، النظريات الفيبرية (نسبة إلي ماكس فيبر) والنظريات النسوية.

ج/ منظور ما بعد الحداثة
يقوم هذا المنظور علي رفضه لوجود تفسير واحد حاسم وكلي.

*المداخل أو المقاربات: وهي طرق مختلفة يختارها علماء الاجتماع لتعريف المشاكل السوسولوجية وتحديدها، ولتحديد ما يدرسونه وكيف يدرسونه. والتمييز الأساسي بين المدخل الوضعي والمدخل التفسيري كما يلي:

أ/ المدخل الوضعي
يشتمل المدخل الوضعي علي البحث عن قوانين السبب والنتيجة، ويستخدم مناهج شبيهة بتلك التي تستخدم في العلوم الطبيعية.

ب/ المدخل التفسيري
يشتمل هذا المدخل علي البحث عن المعني الذاتي الذي يمنحه الناس للسلوك. وهو يعرف أحياناً بالمدخل الظاهراتي أو الفينومينولوجي.
*المناهج: وهي طرق متباينة لجمع البيانات والمعلومات وتفسيرها.
*النظريات: وهي التفسيرات مثل لماذا نجد أن نمط سلوك معين هو السائد.

1/4 النماذج النظرية الحديثة

أ/ التفاعلية الرمزية
نظرية اجتماعية تركز على تبادل الرموز بين الأفراد في التفاعل الاجتماعي، وتهتم النظرية بتفاعل الأفراد في المستوى الصغير وليس المجتمع ككل.

ب/ نظريات ما بعد الحداثة
مجموعة من المداخل النظرية تعتقد أن المجتمع لم يعد محكوماً بالتاريخ أو التقدم، وترى أن مجتمع مابعد الحداثة مجتمع بالغ التعدد والتنوع ولا تحكمه أية مبادئ كبرى.

ج/ نظرية الاختيار العقلاني
نظرية اجتماعية ترى أن سلوك الفرد يمكن تفسيره على أفضل وجه بواسطة مصالحه الذاتية.

د/ النظريات النسوية
نظريات تربط مابين النظرية الاجتماعية والإصلاح السياسي وترى أن حياة المرأة وتجربتها أساسيتان في دراسة المجتمع.

1/5 علم الاجتماع، هل هو علم؟

يمكننا تعريف العلم بأنه الاستخدام المنتظم لوسائل البحث الإمبريقى، تحليل البيانات والتقييم المنطقي للحجج لتطوير نصوص معرفية حول موضوع معين.

بهذا التعريف للعلم يمكن اعتبار علم الاجتماع علماً لكن لا يمكن نمذجته مباشرة على العلوم الطبيعية لأن دراسة السلوك الإنساني تختلف جوهرياً عن دراسة العالم الطبيعي.

يعمل علم الاجتماع على مستويين من التحليل:

ـ علم اجتماع المنظور الصغير: يدرس السلوك اليومي في مواقف التفاعل وجهاً لوجه.
ـ علم اجتماع المنظور الكبير: يعمل على تحليل الأنساق الاجتماعية الكبرى.

هناك علاقة وثيقة بين مستويي التحليل.

1/6 كيف يمكن لعلم الاجتماع أن يساعدنا في حياتنا؟

الإجابة عن السؤال أعلاه تتمثل في:
أ/ الفهم المتطور لحزمة من الظروف الاجتماعية يعطينا عادة فرصاً أفضل في السيطرة عليها.

ب/ يوفر علم الاجتماع الوسائل التي تساعدنا على زيادة حساسيتنا الثقافية.

ج/ يمكننا دراسة تبعات اتباع برامج سياسة اجتماعية معينة.

د/ يساعد علم الاجتماع في التنوير الذاتي كما يمنح الجماعات والأفراد فرصاً متزايدة لتغيير ظروف حيا

امتحان مقياس الاقتصاد الجزئي

التمرين الأول:أجب بإختصار على ما يلي:
1- ما الذي تقيسه المرونة السعرية للطلب والمرونة الداخلية للطلب والمرونة المتقاطعة بصفة عامة ؟
2- هل يستمر المحتكر في الإنتاج في الأجل القصير إذا تعرض لخسارة عند أفضل حجم لناتجه ؟ ما الذي يحدث في الأجل الطويل؟
3- إذا كان الطلب السوقي على السلع الزراعية غير مرن للسعر ، هل يؤدي المحصول المنخفض إلى زيادة أو خفض دخول الفلاحين كمجموعة ؟ولماذا؟
4- ماهي محددات الإدخار الكلي للإقتصاد.
5- لماذا توجد علاقة موجبة بين مستوى الدخل وسعر الفائدة في التوازن النقدي.

التمرين الثاني: إذا كانت دالة الإنتاج لمنتج ما:Q = f ( L,K)= 20L2-(LK)3
حيث يمثل K,L العمل ورأس المال على التوالي.
1- أحسب الإنتاج الحدي للعمل ،وماهو حجم اليد العاملة الذي يعظم دالة الإنتاج .
2- أحسب الإنتاج المتوسط للعمل ومتى تمر دالة الإنتاج المتوسط للعمل بحدها الأقصى.
3- إذا كانت K =2 و L يأخذ قيما مختلفة تجعل من الإنتاج الحدي للعمل أكبر من الصفر فعين المراحل التي يمر بها الإنتاج .
4- نفرض أن K تأخذ كذلك قيما مختلفة ، أحسب الإنتاج الحدي لرأس المال.
5- أحسب معدل الإحلال الفني بين العمل ورأس المال.

التمرين الثالث : إذا قدرت دالة الطلب على البترول في السوق العالمية على الشكل التالي: Q=36P-0,1
حيث P و Q الكمية المطلوبة وسعر البرميل الواحد على التوالي.
أ- أوجد مرونة الطلب للسعر.ماذا تستنتج؟
ب- ماهي الفائدة من معرفة قيمة المرونة بالنسبة للدول المصدرة للبترول.
ت- ماهي الكمية المطلوبة المتوقعة إذا إرتفع سعر البرميل من 25 إلى 30 $ . ماذا تستنتج.

التمرين الرابع : عالج أحد الموضوعين التاليين:

الموضوع الأول: يعتمد النشاط الإقتصادي في إحدى الدول على التصدير وقد نجحت نقابات العمال في هذه الدولة في رفع معدلات الأجور ،ناقش أثر ذلك على النشاط الإقتصادي مستعينا بنظرية الإنتاجية الحدية.

الموضوع الثاني : تطرح أمام السلطات الجزائرية مشكلة المحافظة على توازن ميزان المدفوعات كهدف من أهداف السياسة الإقتصادية.
- لماذا هذا الحرص على هذا التوازن؟
- وما هي مختلف السياسات الممكن إستخدامها لمعالجة الإختلالات ؟
- وما هي آثار البيئة الدولية على وضعية ميزان المدفوعات الجزائري؟

التمرين الخامس:

أجب عن الأسئلة التالية:
س1: لتكن دالة الاسباع من الشكل: U= α log (x)+ (1-α)log (y)
1- أوجد دوال الطلب x و y.
2- استنتج كميات التوازن علما أن: R=400، Px =10، Py =5، =0.5 α
3- ما نوع السلعة y ؟ علل ؟
س2: في سوق المنافسة الحرة لدينا 120 مؤسسة تنتج منتوج ضروري، لهذه المؤسسات نفس مستوى التكاليف وأن التكلفة الكلية في المدى القصير هي: Ct = 4q2 – q +36
ولتكن دالة الطلب الكلية Dt = 180 + 9300/p
1- أوجد دالة العرض الفردية (لكل مؤسسة) ؟
2- أحسب السعر والكمية والربح في حالة التوازن ؟

الإنتاج

المــــــقــــــــــــدمــــــــــــة

إن الذي يدفع المنتجين إلى عرض منتجاتهم في السوق هو جانب الطلب من قبل المستهلكين وبمقتضى عرض السلع والخدمات القيام بعمليات الإنتاج المختلفة.
وقد تطورت نظرية الإنتاج كغيرها من النظريات الاقتصادية الأخرى تطورا كبيرا منذ عهد الطبيعيين، فقد نظر الطبيعيون إلى الإنتاج على أنه خلق المادة، ولهذا اعتبروا الزراعة هي العمل المنتج الوحيد فالأرض في رأيهم تعطي الكثير من الطيبات من بذور قليلة ولهذا فهي منتجة، بينما نظروا إلى التجارة والخدمات الأخرى على أنها أعمال غير منتجة.
ولكن بعد أن قام النظام الاقتصادي الحديث على التخصص لم يعد هناك احتمال لتقسيم الأنشطة المختلفة إلى منتجة وغير منتجة.
وذهب الفكر الحديث إلى اعتبار الإنتاج ليس خلق المادة كما ظن الأولون، وإنما هو خلق المنفعة، أو إضافة منفعة جديدة. بمعنى آخر إيجاد استعمالات جديدة لم تكن موجودة مكن قبل. فالخالق ليس من صنع الإنسان، وإنما هو من عمل ينفرد به الخالق المبدع سبحانه وتعالى، وكل ما في طاقة الإنسان ومقدوره إنما هو تغيير شكل المادة بما يتناسب وطرق إشباعها للحاجات.


1)-مفهوم الإنتاج:
يرى الفكر الاقتصادي الحديث إن الإنتاج ليس خلق المادة و إنما هو خلق المنفعة, أو إضافة منفعة جديدة, بمعنى إيجاد استعمالات جديدة لم تكن معروفة من قبل, و بهذا فإن اصطلاح يمكن أن يطلق على ما يلي:
1- تلك العمليات التي تغير من شكل المادة فتجعلها صالحة لإشباع حاجة ما (المنفعة الشكلية)؛
2- عمليات النقل من مكان تقل فيه منفعة الشيء إلى مكان تزيد فيه المنفعة دون تغير شكله (المنفعة المكانية)؛
3- عمليات التخزين, حيث يضيف التخزين منفعة إلى السلعة (المنفعة الزمنية)؛
4- كل صور الإنتاج "غيـر المادي" التي يطلق عليها اسم الخدمات.
نخلص من ذلك إن الإنتاج يتمثل بجانبين و هما الجانب السلعي (السلـع) و الحساب الخدمي (الخدمات) كما يعرف الإنتاج كذلك على أنه:
" إعداد و ملائمة للموارد المتاحة بتغيير شكلها أو طبيعتها الفيزيائية و الكيماوية حتى تصبح قابلة للاستهلاك الوسيط أو النهائي (إيجاد منفعة).
و من الإنتاج التغيير الزماني أي التخزين (الاستمرارية في الزمن), و هو إضافة منفعة أو تحسينها وكذلك التغيير المكاني أي النقل.
يتم هذا الإنتاج بموارد عملية (آلات و معدات), و موارد مادية, بشريـة, وموارد ماليـة ضمن قيود هيكلية هي الطاقة الإنتاجيـة, و التخزينيـة و الطاقة المالية و الطاقة التوزيعيـة.
2)-النشاط الانتاجي:
يعد النشاط الإنتاجي النشاط الأساسي في المنظمات الاقتصادية بشكل عام و في المنظمات الصناعية بشكل خاص, و هو من أهم الموضوعات التي تتناولها الإدارة اليوم بالإضافة إلى نشاط التسويق.
و يعرف النشاط الإنتاجي بأنه:" النشاط المنظم و الموجه لاستخدام الموارد المتاحة و توجيهها لإنتاج منتجات و خدمات جديدة تشبع حاجات الإنسـان".
و هذا التعريف للنشاط الإنتاجي يحمل مفاهيم مختلفة و هي اقتصادية و اجتماعية و تشغيلية:
- المفهوم الاقتصادي: يقوم بتوظيف عناصر الإنتاج في مكان و زمان ما بهدف الحصول على الإنتاج؛
- المفهوم الاجتماعي: أساس من أسس التنمية الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية.
- المفهوم التشغيلي: أساس عملية فنية يهدف إلى تحويل المواد الأولية إلى سلع و خدمات من خلال إخضاعها لعمليات مختلفة و طرائق و أساليب عملية.
3)- نظام الإنتاج:
- مفهوم نظام الإنتاج:
النظام الإنتاجي هو الصيغة التي تجمع بها عناصر النشاط الإنتاجي من أجل إنتاج السلع والخدمات.
و أنظمة الإنتاج عديدة و متنوعة, فهناك أنظمة الإنتاج لمنظمة صناعية و أنظمة إنتاج لمنظمة خدمية وذلك كما يلي:
* النظـام الإنتاجي الصناعي: في مجال الصناعة فإن النظام الإنتاجي الصناعي هـو الصيغة التنظيمية لإدارة الإنتاج و يتألف من ثلاثة أجزاء رئيسية و هي المدخلات, والعمليات, المخرجـات.
* النظام الإنتـاجي الخدمـي : و هو الصيغة التنظيمية لإدارة العمليات.
مهمات النظام الإنتاجي:
و يختلف النظام الإنتاجي لاختلاف طبيعة العناصر المستخدمة و بسبب حجم هذه العناصر, أو بسبب صعوبة تحديد معايير قياس الأداء أو بسبب طبيعة النشاط و تقوم النظام الإنتاجي بالعديد من المهمات منها على سبيل المثال:
• تحديد مواقع العمل
• مزج عوامل الإنتاج (العمل و الآلات و المواد) و تصميم العمليات بطرائق علمية اقتصادية.
• تطوير و تصميم المنتجات بشكل يتلاءم مع رغبات الزبائن و متطلبات العمليات الصناعية و طبيعة المواد و العمليات الإنتاجية
• تخطيط الإنتاج و وضع السياسات الإنتاجية الكفيلة بتنفيذ الخطط ا|لإنتاجية و الرقابة على الإنتاج من ناحية التكاليف و الجودة و الوقت.
• ضمان تنظيم العمل العلمي و أنظمة المناولة و التخزين في الوحدة الإنتاجية.
4)- اساليب الانتاج:
يوجد نوعان من أساليب الإنتاج : الإنتاج المستمر و الإنتاج المتقطع.
أ- الإنتاج المستمـر:
هو إنتاج نمطي في مخرجاته, و قـد يكون نمطياً في مدخلاته, يتم على آلات متخصصة أو في خطوط إنتاج.
و نقصد بالإنتاج النمطي أنّ له نفس الأبعاد و الخواص خلال الفترة الإنتاجية, أي نفس المقاييس ونفس النوعية, و نفس الشكل و كذا نفس الاختصاص. و قد يكون نمطياً في المدخلات أي مدخلات مختلفة, مثل الجلد الحقيقي, الجلد المصطنع لصناعة أحذية متجانسة, أي نفس الشكل ونفس المقاييس و لكن ليس نفس النوعية؛ كما أنه إذا توقفت مرحلة من مراحل الإنتاج أدى إلى توقف العملية الإنتاجية. و ينقسم الإنتـاج المستمر إلى نوعيـن:

أولاً: إنتـاج مستمـر وظيفـي
هو إنتاج مستمر موجود كحلقة ضمن سلسلة إنتاجية داخل المؤسسة, أو كمرحلة بين مجموعة المؤسسات يعمل كل منها دور المنبع و المصب. و الخاصية المميزة أنه يستعمل في وظيفة معينة.
ثانيـاً : إنتـاج غير وظيفي ومستمـر
هو إنتاج يوجه إلى الاستهلاك مباشرة و يخضع لمحددات الطلب من سعر السلعة, أسعار السلع المنافسة, أذواق المستهلكين, سلوكاتهم, ... مثل الصناعة الغذائية, صناعة الجلود ...الخ.
ب- الإنتـاج المتقطـع:
هو إنتاج غير نمطي في مخرجاته, و لا يتم إنتاجه إلا بعد تحديد المواصفات من طرف العميل أو المستهلك المباشر؛ وقد يكون نمطياً في مدخلاته.
و المقصود بأنه غير نمطي في مخرجاته, أنّ مخرجاته تختلف من حيث الشكل و النوع و التخصص وذلك حسب أذواق المستهلكين و حسب طلبهم. و يتقسم بدوره إلى قسمين:
أولاً: إنتاج دفعات متكررة للطلب
هو إنتاج متقطع, نمطيا في مدخلاته, و غير نمطي في مخرجاته, يخضع للمواصفات التي يقدمها العميل, و الميزة الخاصة أنها تنتج دفعات حسب الخصائص المطلوبة أو المواصفات التي يطلبها العميل.
و الشرط الرئيسي لاستعماله هو تغيير المواصفات من عميل لآخر, و هو شرط موضوعي و ضروري, وقد يكون غير ضروري مثل الآلات التي تنتج إنتاج متقطع فهي آلات غير متخصصة, و السبب في التغيير لا يكمن في المواصفات و إنما عدد الآلات.
و الحل هو تقليل عدد المنتجات أو زيادة عدد الآلات و يمكن أن المؤسسة تعدد منتجاتها و محدودة في المخازن فتبدأ في تغيير الإنتاج, و السبب الموضوعي الوحيد هو تغيير المواصفات و الحل يكمن في إنتاج دفعات متكررة للتخزين.
ثانيـاً: إنتاج دفعات متكررة للتخزين
فإذا كان السبب الذي جعل المؤسسة تنتج إنتاج دفعات متكررة للطلب غير موضوعي (ليس تغيير المواصفات) تحول المؤسسة الإنتاج إلى إنتاج دفعات متكررة للتخزين.
و عليه إما أن نخصص الوقت أو الآلات أو المخازن لإنتاج دفعات متكررة للتخزين, مثل صناعة الألبسة (حسب الفصول), فنستعمل الإنتاج المستمر خلال الفصل, و الإنتاج المتقطع خلال السنة, وهذا لتفادي مشاكل التخزين و ضيع الوقت.
الفرق بين الإنتاج المستمر و المتقطع:
و عليه يمكن توضيح الفرق بين الإنتاج المستمر و الإنتاج المتقطع في الجدول التالي:
الإنتـاج المستمـر:
• متخصص الآلات
• نمطي المخرجات
• لا يخضع لمواصفات العميل

الإنتـاج المتقطـع :

• غير متخصص الآلات
• غير نمطي المخرجات
• يخضع لمواصفات العميل.

5)- عناصر الانتاج:
عوامل الإنتاج أو عناصره (Factors of Production) أو موارد الإنتاج أو عناصره (Production Resourcesكلها أسماء تستخدم لمعنى واحد. وهي موارد المجتمع التي تستخدم في عمليات الإنتاج؛ وتضم الأرض (Land) والعمل (Labor) ورأس المال (Capital) والمنظم (Entrepreneurship)؛ وذكر المصطلح الأجنبي جنبا إلى جنب مع اللفظ العربي يرمي إلى الربط بين مدلول المصطلحين.
وفيما يلي معنى كل منها في الاقتصاد المعاصر:
الأرض (Land): وهي الموارد الطبيعية المتاحة في الأرض دون أن تنضم إليها جهود المورد البشري. وأمثلتها: الغابات الطبيعية والأنهار والجبال والسهول والوديان والطيور والحيوانات البرية والبحرية في السهول والبحار والأنهار، وأنواع المعادن والنفط الخام في باطن الأرض. وعائد الأرض هو الريع (Rent).
العمل (Labor): العمل هو كل جهد بشري هادف جسمانيا كان أو فكريا. وعناصر العمل الاقتصادي، هي: النية والجهد والمردود. وعائد الأرض هو الأجر أو الراتب.
رأس المال (Capital): ويعنى بالمفهوم الاقتصادي السلع الرأسمالية التي تستخدم لإنتاج سلع أخرى، وهي ناتجة عن جهود سابقة تم ادخارها. ويمثل "رأس المال" النتائج المدخرة لكل عمل. ويتم توجيه مدخرات الأهالي لشرائها مقابل حصول المدخرات على عائد الفائدة (Interest) أو الربح. ومن أمثلة السلع الرأسمالية: الآلات والمعدات والأجهزة؛ كما يتمثل رأس المال في الأصول غير الملموسة كالسمعة والاسم التجاري.
المنظم أو الريادي (Entrepreneurship): وهو صاحب فكرة إنتاجية أو متبنيها، ويتحمل مخاطر خسارتها، على أمل الحصول على عائدها، وهو الربح.
6)- التكاليف:

* تعريف التكاليف:
كلمة التكاليف لها معاني كثيرة فالنسبة لرجل الأعمال نجد أن المفردات التي تشتمل عليها كلمة التكاليف تختلف باختلاف الأغراض ولكنها تشتمل بصفة عامة كل المدفوعات اللازمة لإنتاج منتج معين كالأجور وأثمان المواد الخام وفوائد رؤوس الأموال المقترضة. أو بعبارة أخرى فإنها تمثل المدفوعات الفعلية.
* طبيعة التكاليف:
تنقسم التكاليف من حيث طبيعتها إلى تكاليف نقدية وتكاليف غير نقدية.
أولا: النقدية: هي التي تأخذ شكل مدفوعات تعاقدية تلتزم بها المؤسسة قبل الغير أو كل المصروفات التي تدفع نقدا.
ثانيا: غير النقدية ( الأعباء الدفترية): المؤسسة ليست مجبرة على القيام بمدفوعات للغير ولكن من ناحية أخرى يتعين على أصحاب هذه العوامل الحصول على تعويض مقابل تقديمها للمؤسسة وإلا فأنهم سوف يقومون بتقديمها للغير نظير مبلغ نقدي.

أنواع التكاليف:
أولا: التكاليف الثابتة: هي التكاليف التي يجب أن تتحمل بها المؤسسة بصرف النظر عن حجم الإنتاج ولو كان الإنتاج صفرا. أو هي لا تتغير بتغير الإنتاج.
ثانيا: التكاليف المتغيرة: هي التي تتوقف على حجم الإنتاج ويمكن تعريفها بأنها تكاليف التي لا تكن لتوجد إذا لم يكن هناك إنتاج. والتي تتغير بتغير معدل المنتج (الإنتاج). فنخلص أن للتكاليف علاقة لصيقة بالإنتاج وكميته. فالمؤسسات لا تستطيع تحديد سعر بيع المنتوج إلا بالنظر إلى تكاليف إنتاجه.
وكذلك تحليل تكاليف العائدة لكل عنصر من عناصرها ومقارنتها بأي المقاييس سواء معيارية وتقديرية للتعرف على المسببات هو الذي يساعد الإدارة في الرقابة على التكاليف عن طريق اتخاذ الإجراءات المصححة في الوقت المناسب مما يساعد على اتخاذ القرار في كيفية ونوعية إنتاج منتوج يتماشى مع رغبات الأفراد.


الخـــــــــــــــــــــاتـــــــــــمة

في الأخير نشير إلى أن النشاط الإنتاجي هو أساس في المنظمات الاقتصادية بشكل عام, و في المنظمات الصناعية بشكل خاص, و للإنتاج أسلوبين أساسيين: الإنتاج المستمر, و الإنتاج المتقطع, والإنتاج كغيره من الأنظمة تسير معلوماتياً عن طريق مجموعة من الأفراد و التجهيزات و الإجراءات و البرمجيات وقواعد البيانات, تعمل يدويا أو أوتوماتيكياً أو آلياً على جمع المعلومات و تخزينها ومعالجتها و من ثم بثها إلى المستفيد.
و يعمل نظام المعلومات الإنتاجي على عدة مستويات, على مستوى تصميم المنتج و على مستوى الإنتاج, و على مستوى رقابة الجودة و على مستوى التكلفة. و يتكون نظام معلومات الإنتاج من تخطيط الاحتياجات من الموارد و العمليات التحويلية و الهندسية الصناعية و الشحن و الاستلام والمشتريات و رقابة الجودة.

علم الاقتصاد

علم الاقتصاد economics هو العلم الذي يهتم بمشكلة الموارد النادرة أو المحدودة واستعمالها على نحو يسمح بالحصول على أكبر إشباع لحاجات المجتمع غير المحدودة. وهو بعبارة أخرى علم إدارة الموارد المحدودة لتلبية حاجات غير محدودة. فموضوعه هو الثروة الاجتماعية من جهة، وسلوك الإنسان الاقتصادي من جهة ثانية.
يهتم علم الاقتصاد بأحد وجوه النشاط الإنساني في العالم، وهو النشاط الاقتصادي الذي يشتمل على جميع تصرفات الأفراد التي تتصل بكل من الإنتاج والتبادل والاستهلاك والتوزيع، وما يتفرع عنها من ظواهر اقتصادية مثل التنمية والدخل والادخار والاستثمار والتضخم والدورات الاقتصادية والبطالة وغيرها.
فالنشاط الاقتصادي واحد من أهم جوانب السلوك الإنساني العام. ووحدة شخصية الإنسان تؤدي إلى انعكاس الأوضاع الاقتصادية في مختلف المجالات القانونية والسياسية والفكرية للمجتمع. ولهذا فقد عدَّ كارل ماركس [ر] Karl Marx البنيان الاقتصادي للمجتمع الأساس الذي تستند إليه جميع البنى الفوقية من قانونية وسياسية واجتماعية. حتى المعارضون لفكره لا ينكرون أن التطور الاقتصادي يمثل وجهاً من وجوه التطور في التاريخ لابد له من أن ينسجم مع الوجوه الأخرى، ويسير معها في الاتجاه نفسه، وقد يسببها أو ينتج عنها. أي إنه قد يسبقها، وقد يتبعها. وبذلك فإن تحليل المجتمع لا يمكن أن يكون تاماً إذا استبعد الجانب الاقتصادي من التحليل، كما أن دراسة الجانب الاقتصادي للمجتمع لا تكون كاملة إذا استبعدت الجوانب النفسية والسياسية والقانونية والاجتماعية من الدراسة أيضاً.
المشكلة الاقتصادية
تعد المشكلة الاقتصادية economic problem أو مشكلة الندرة scarcity problem كما يطلق عليها بعضهم سبب نشوء علم الاقتصاد، لذلك فإن مفهومها هو المدخل الأساسي لإدراك العلاقة الوثيقة بين الفرد والمجتمع من ناحية، والموارد الاقتصادية من ناحية أخرى. وتتلخص هذه المشكلة في أن أول ما يشعر به الإنسان حاجته إلى الطعام والشراب والملبس والمأوى للمحافظة على استمرار حياته، وهذا ما يدفعه إلى السعي بحثاً عن الوسائل اللازمة لإشباع حاجاته هذه. ويكتشف، وهو يسعى أن حاجاته أكثر من أن يتمكن من إشباعها جميعاً ضمن حدود مقدرته والموارد المتاحة له. ولمقاربة الواقع لا بد من تأكيد أن الإنسان لا يواجه المشكلة الاقتصادية بمعزل عن بقية أفراد المجتمع، بل تكون المواجهة ضمن إطار المجتمع الإنساني الذي يعيش فيه. مما يفرض على جميع أفراد المجتمع مواجهة مشكلة نقص الموارد المتاحة لإشباع حاجاتهم؛ وتتخذ المواجهة صيغة التعاون بين جميع أفراد المجتمع في سبيل الإنتاج، ليتم التخصص وتقسيم العمل بينهم على النحو الذي يضمن أن ينتج كل فرد بمفرده أو بالتعاون مع الآخرين بكفاية أعلى. ويترتب على التخصص وتقسيم العمل بين الأفراد خطوة منطقية تالية هي التبادل، ويقصد به أن ينزل كل فرد عن جزء مما أنتج مقابل حصوله على جزء من إنتاج غيره. ومن المتفق عليه أنه كلما ازداد التخصص وتقسيم العمل بين الأفراد ازدادت الفائدة وأمكن استغلال ما لديهم من موارد وإمكانات بطرائق تحقق لهم أعلى إشباع ممكن لحاجاتهم المختلفة. لذا يمكن إرجاع المشكلة الاقتصادية إلى حقيقتين أساسيتين أولاهما: تعدد الحاجات الإنسانية، وتعني أن حاجات أفراد المجتمع كثيرة ومتنوعة ولا حصر لها. وكلما أشبع المجتمع بعض حاجاته اكتشف حاجات جديدة، مما يعني أن الحاجات غير محدودة وأنها ليست ثابتة بل هي متجددة، وتختلف باختلاف الزمان والمكان. وما نمو عمل المنتجين، على مر العصور، إلا نتيجة ظهور حاجات جديدة والعمل على إشباعها، فالحاجة إلى وسائل المواصلات السريعة مثلاً، وإلى وسائل الاتصال، وإلى أجهزة التكييف، والترفيه، والصحة، والتعليم، وغيرها، لم تكن من ضمن حاجات المجتمعات البدائية، كما أنها ليست على الدرجة ذاتها لدى المجتمعات المختلفة. ومن المسلم به أن المجتمع قادر على ترتيب حاجاته اللانهائية هذه بحسب درجة أهميتها ترتيباً تنازلياً يعكس درجة إلحاحها عليه. وأما الحقيقة الثانية فهي ندرة الموارد الاقتصادية نسبياً، ويقصد بالموارد كل ما من شأنه أن يكون نافعاً، أي قادراً، بطريق مباشرة أو غير مباشرة، على إشباع الحاجات الإنسانية. وبحسب معيار نسبة وفرة الموارد إلى الحاجات المطلوب إشباعها تكون الموارد حرة أو اقتصادية، ويقصد بالموارد الحرة الحالة التي تكون فيها الموارد كافية لإشباع حاجة جميع أفراد المجتمع إليها، مثل الحاجة إلى الهواء؛ إذ بإمكان جميع أفراد المجتمع إشباع حاجاتهم إلى الأكسجين من غير أن يؤثر ذلك في درجة إشباعهم لحاجاتهم الأخرى. كما يقصد بالموارد الاقتصادية الحالة التي تكون فيها الموارد غير كافية لإشباع حاجة جميع أفراد المجتمع إليها. وهذا التفريق بين الموارد الحرة والموارد الاقتصادية ليس ثابتاً لأنه لا يعبر عن صفات كامنة في الموارد نفسها، بل يتغير بحسب طبيعة العلاقة القائمة بين الموارد، من جهة، ومستوى الحاجات المطلوب إشباعها من جهة أخرى. وتخرج الموارد الحرة من مجال اهتمام علم الاقتصاد، في حين ينصب الاهتمام كله على الموارد الاقتصادية.
تتصف الموارد الاقتصادية بعدة خصائص أهمها على الإطلاق أنها محدودة الكمية، وذلك على العكس من الحاجات الإنسانية. فهي إذن لا تكفي لإشباع حاجات جميع أفراد المجتمع. ولهذا فإنها تعد نادرة نسبياً، أي بالنسبة إلى الحاجات التي يمكنها أن تسهم في إشباعها، مما يؤدي إلى ضرورة الاقتصاد في استعمالها.
ومن هنا كان وصفها بالاقتصادية تمييزاً لها من الموارد الحرة. وتتم عملية الملاءمة بين الموارد المتاحة وحاجات المجتمع من خلال عمليتي الإنتاج والتبادل، أي «أنا أحتاج إذن أنتج وأبادل ثم أستهلك". ولهذا كان حل المشكلة الاقتصادية «بعقلنة» استخدام الموارد لمواجهة إشباع حاجات الناس وفقاً لسلم الأولويات التي يقررونها هو المهمة الرئيسية لعلم الاقتصاد الذي عليه الإجابة عن أسئلة هي: ماذا ننتج؟ وكيف؟ وكم؟ ولمن؟. والإجابة عن هذه الأسئلة وتوجيه النشاط الاقتصادي لتحقيق الأهداف الاجتماعية يختلفان باختلاف النظم الاقتصادية والاجتماعية السائدة.
الاقتصاد والسياسة الاقتصادية
يرى سامويلسن Paul A. Samuelson في كتابه «علم الاقتصاد» Economics «أن الاقتصاد هو من أقدم الفنون وأحدث العلوم». وهذه العبارة تؤكد ما اتفق عليه الاقتصاديون، أن الاهتمام بالاقتصاد بوصفه علماً مستقلاً بدأ في النصف الثاني من القرن الثامن عشر وفي عام 1776م بالتحديد، وهو العام الذي نشر فيه الفيلسوف الإنكليزي ومؤسس علم الاقتصاد آدم سميث Adam Smith كتابه الشهير «دراسة في طبيعة وأسباب ثروة الأمم».
إلا أن الاهتمام بالأمور الاقتصادية كان قبل ذلك التاريخ بقرون طويلة. فبداية الفكر الاقتصادي موجودة في كل التعاليم الخاصة بالديانات السماوية، وكذلك في تعاليم قادة الفكر اليوناني والروماني.
وما تجدر الإشارة إليه في هذا المجال هو الفرق الواضح بين علم الاقتصاد، والسياسة الاقتصادية. ففي حين يهتم علم الاقتصاد بكشف العلاقات القائمة بين مختلف الظواهر الاقتصادية وتفسيرها وتحليلها وبيان اتجاهات تطورها. تهدف السياسة الاقتصادية إلى تقديم النصح فيما يجب أن يكون عليه الوضع الاقتصادي. ولهذا التباين بين وصف ما هو كائن وما يجب أن يكون أهمية كبيرة في نطاق الدراسات الاقتصادية.
ولكن التفريق بين علم الاقتصاد والسياسة الاقتصادية لا ينفي ما بينهما من علاقة وتكامل، فعلم الاقتصاد ببحثه وتفسيره للظواهر والمشكلات الاقتصادية، وإلقائه الضوء على سلوك المتغيرات الاقتصادية، وطبيعة علاقات الترابط بينها وأحجامها يمكِّن من التنبؤ بالأحداث الاقتصادية المتوقعة في المستقبل ويساعد في تبني سياسة اقتصادية ملائمة. وعالم الاقتصاد لا يقوم بالتحليل لمجرد الترف الفكري، بل لكي يستطيع في النهاية أن يتوصل إلى مزيد من الفهم للبيئة الاقتصادية حتى يستطيع أن يتحكم فيها ويوجهها بالطريقة التي يرى أنها الفضلى من وجهة نظر الرفاهية الاجتماعية؛ أي حتى يستطيع أن يصوغ سياسة اقتصادية تعدل الأحداث المتوقعة وغير المرغوب فيها وتجعلها أكثر انسجاماً مع المصلحة العامة لأفراد المجتمع. ولتحقيق هذا الغرض يفاضل الاقتصادي بين مختلف الوسائل التي يمكن أن يستخدمها لتحقيق الغاية المطلوبة. ويبني هذه المفاضلة على أساس فاعلية الوسائل المختلفة في تحقيق الهدف من جهة، وعلى أساس التكلفة التي سيتحملها المجتمع من جراء استخدام الوسائل البديلة من جهة أخرى.
وتجدر الإشارة إلى أن مثل هذه التفرقة لم تكن واضحة لدى الاقتصاديين قبل آدم سميث. لذلك كان علم الاقتصاد في الغالب يوصف بالسياسي، حتى أصبح تعبير «الاقتصاد السياسي» هو الشائع والأكثر استعمالاً بدلاً من علم الاقتصاد. وكان أول من استخدمه الكاتب الفرنسي أنطوان دي مونكرتيان سنة 1615م حين ألف كتاباً يحمل هذا العنوان Economie politique، وقد نحته من ثلاث كلمات يونانية وهي Oikos وتعني «مدينة» وNomos وتعني «قواعد» وPolitos وتعني «ذمة". أي «قواعد إدارة ذمة المدينة". وحينما نحت الكاتب تعبير الاقتصاد السياسي كان يهدف إلى إسداء النصح للأمير في إدارة الأموال العامة، وكان هذا منطقيا، إذ إن السياسة الاقتصادية، كما ذكر آنفاً، قد سبقت في نشأتها علم الاقتصاد.
تعريف علم الاقتصاد
مرّ أن آدم سميث أول من حصر استعمال تعبير الاقتصاد السياسي في الدلالة على العلم الذي يدرس الثروة. إلا أن الخلاف حول مدلول هذا العلم ما يزال قائماً حتى اليوم مما أدى إلى اختلاف تعريفات هذا العلم باختلاف نزعات الاقتصاديين الفكرية المختلفين، حتى إن جيتان بيرو Gaetan Pirou رأى أن لعلم الاقتصاد تعريفات بعدد الكتب التي ألفت فيه.
ومع ذلك يمكن القول: إن علم الاقتصاد هو علم إنتاج الخيرات المادية وتوزيعها واستهلاكها، ويهدف إلى تعظيم المردود من عوامل الإنتاج المتاحة، أي إنه العلم الذي يسعى إلى إيجاد الحلول الممكنة للمشكلة الاقتصادية بالعمل على زيادة إنتاج الخيرات المادية للتقليل من آثار ندرتها ووضعها بتصرف الإنسان لزيادة رفاهيته. فعلم الاقتصاد هو علم عقلنة نشاط الإنسان الاقتصادي لما فيه خيره ورفاهته. وهكذا يعد علم الاقتصاد علم إدارة الموارد بقصد تعظيم المنفعة منها لمصلحة بني الإنسان. ويذهب كامبل ماكونل Campell Mc connell إلى أن علم الاقتصاد هو العلم الاجتماعي الذي يهتم بمشكلة إدارة الموارد النادرة أو المحدودة أو استعمالها على نحو يسمح بالحصول على أكبر إشباع لحاجات المجتمع غير المحدودة. وهكذا فإن علم الاقتصاد هو علم زيادة الثروة من جهة، وعلم اجتماعي يبحث في توفير الرفاهية لجميع أفراد المجتمع من جهة ثانية.
منهج علم الاقتصاد
يؤكد الاقتصاديون الصفة العلمية للاقتصاد إذ يرون أن لهذا العلم قوانينه الخاصة، ومن ثم فإنهم يسعون دائماً للكشف عن هذه القوانين وصوغ النظريات الاقتصادية المختلفة. ومن الثابت أنهم يتبعون في هذا السبيل المناهج العلمية المعروفة وهي: المنهج الاستنباطي(التجريدي، النظري) والمنهج الاستقرائي (التجريبي، الواقعي). وهذه فكرة مختصرة عن كل منهما:
المنهج الاستنباطي: ويعدّ من أقدم مناهج المعرفة، إذ يرجع إلى عهد أرسطو. والاستنباط عملية عقلية يخلص بها من قضية تعد مقدمة مسلماً بصحتها إلى قضية تعد نتيجة لازمة لها. وذلك من خلال قواعد ذهنية بحتة تدور كلها في الذهن بعيداً عن الواقع. وبحسب هذا المنهج يبدأ الاقتصادي بوضع عدد من المقدمات التي يفترض أنها صحيحة ثم يستخلص منها، عن طريق التفكير العقلي، جميع التعميمات التي تؤدي إليها، وهي ما تؤلف النظريات الاقتصادية. وينبَّه هنا إلى أن مدى صحة النظريات المستخلصة على هذا النحو يتوقف على سلامة مجرى التفكير المنطقي من جهة، وصحة المقدمات من جهة أخرى.
المنهج الاستقرائي: يقصد بالاستقراء العملية المنطقية التي يخلص بوساطتها من الوقائع الفعلية إلى القوانين العامة التي تحكم الظاهرة قيد الدراسة.
وهنا يقوم الاقتصادي بالتوصل إلى النظريات الاقتصادية عن طريق التحليل المنتظم الواعي للوقائع المعروفة والمشاهدة في الحياة العملية. أي إن المنهج الاستقرائي عكس المنهج الاستنباطي تماماً، لذلك يوصف الأول، أي الاستقرائي «بالاستدلال الصاعد»، ويوصف الثاني «بالاستدلال النازل».
ولما كان من الواجب أن تكون المقدمات في الاستنباط صحيحة، وجب أن تستند هذه المقدمات إلى الاستقراء. أي إن الاستنباط يعتمد على الاستقراء في إثبات صحة المقدمات. ومن ناحية ثانية فإن الاستقراء يعتمد على الاستنباط لأنه لا بد من التحقق من صحة النظريات، التي يتم التوصل إليها بالاستقراء، عن طريق تعميمها على وقائع جديدة، وهذا هو الاستنباط. وعلى ذلك فإن كلاً من الاستنباط والاستقراء لازمان للاقتصادي، وهو بصدد الكشف عن القوانين والنظريات الاقتصادية.
أساليب التحليل الاقتصادي
إن اتباع المناهج العلمية العامة في التحليل الاقتصادي يقتضي البحث عن أكثر الأساليب ملاءمة في حقل الدراسات الاقتصادية. ويُفرّق في هذا المجال بين الأسلوب الرياضي الذي يعتمد على المنهج الاستنباطي، والأسلوبين التاريخي والإحصائي اللذين يعتمدان على الاستنباط والاستقراء معاً.
الأسلوب الرياضي: تعد الرياضيات علماً عاماً يهتم بدراسة العلاقات بين الكميات المتغيرة. وبالرجوع إلى الكميات الاقتصادية وما ينشأ بينها من علاقات تبادلية وجد أنها تقبل التعبير عنها بالصيغ الرياضية المعروفة، وبذلك أصبح من الممكن استخدام بعض الأساليب الرياضية في الدراسة الاقتصادية. فالرياضيات إذن تقدم أسلوباً للبحث يتفق وطبيعة علم الاقتصاد، ويتصف الأسلوب الرياضي برأي جيتان بيرو بثلاث صفات هي:
ـ استخلاص أوسع النتائج من المقدمات.
ـ السرعة، لأن الرياضيات تسمح بالتعبير برموز بسيطة عما لا يمكن التعبير عنه في اللغة العادية إلا بجمل طويلة.
ـ الدقة في التعبير وتجنب التشويش، فالتحليل الرياضي يحل محل اللغة العادية في البحث عن العلاقات التبادلية بين المتغيرات الاقتصادية. ويعد فرع «الاقتصاد الرياضي» اليوم واحداً من أحدث فروع علم الاقتصاد.
الأسلوب التاريخي: يقتضي استخدام الأسلوب التاريخي تجميع الحوادث والوقائع الاقتصادية التي حدثت في الماضي، وذلك من الكتب والوثائق التاريخية المتوافرة، بعد التحقق من صحتها، لضمان صحة النتائج التي يتم التوصل إليها. ثم تأتي مرحلة وصف الوقائع وتفسيرها، أي معرفة ما كان منها سبباً وما كان نتيجة له، ومعرفة العناصر المتكررة وغير المتكررة ودرجة انتظام تكرارها. وأخيراً يقوم المؤرخ بالكشف عن القوانين التي كانت تحكم العلاقات بين مختلف الظواهر الاقتصادية وغير الاقتصادية أيضاً. أي إن التاريخ بذلك أصبح أداة للتحليل تفيد في معرفة ما كان، وفي تفسير ما هو كائن، وفي توقع ما سيكون في المستقبل. وتجدر الإشارة هنا إلى ضرورة أخذ التاريخ بمعنى واسع والتفريق بين تاريخ النظريات الاقتصادية (تاريخ علم الاقتصاد)، وتاريخ الوقائع الاقتصادية. ويعود هذا الازدواج في الدراسات الاقتصادية إلى طبيعة الظواهر الاقتصادية نفسها، إذ إنها تختلف عن الظواهر الطبيعية. فالظواهر الطبيعية لا تتغير، لذلك نحتاج إلى دراسة تاريخ العلم ولا نحتاج إلى دراسة تاريخ الظاهرة الطبيعية لعدم تغيرها. أما الظواهر الاقتصادية ـ وكذلك الظواهر الاجتماعية عموماً ـ فإنها قابلة للتغير، ولذلك فإنه من المفيد دراسة تاريخ العلم مستقلاً عن تاريخ الوقائع.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن تاريخ الوقائع يعد للباحث الاقتصادي، بمنزلة التجارب المخبرية التي يقوم بها الباحث في أثناء دراسته للظواهر الطبيعية. ويعد الاقتصاديون الألمان أول من اهتم بالأسلوب التاريخي، وذلك منذ الثلث الثاني من القرن التاسع عشر وعرفت أفكارهم باسم «المدرسة التاريخية".
الأسلوب الإحصائي: يرى بعض الاقتصاديين أن الإحصاء[ر] ليس مجرد أسلوب فحسب، بل إنه علم مستقل، وأن قوانينه يمكنها أن تستوعب علم الاقتصاد، مما أدى إلى اطراد اهتمام الاقتصاديين به في مجال الدراسات الاقتصادية.
وتقدم الإحصاءات مقياساً دقيقاً وضرورياً لحجم الظواهر الاقتصادية، لأننا، بتعبير مور Moore، لا نعرف شيئاً ما دمنا لا نستطيع قياسه. والإحصاء هو الذي يسمح بهذا القياس، ويقدم بذلك المادة اللازمة لاستخلاص القوانين الاقتصادية. كما يلجأ الاقتصاديون إلى الأسلوب الإحصائي لقياس مستوى العلاقة بين الظواهر المختلفة؛ فلا يكفي القول إن مستوى استهلاك المجتمع يتوقف على مستوى ما يحققه من دخل، بل لابد من تحديد أثر زيادة الدخل في مستوى الاستهلاك تحديداً كمياً. وفي النصف الأول من القرن العشرين حقق الإحصاء تقدماً كبيراً في مجال جمع البيانات الإحصائية وقدم بذلك مادة جيدة اتخذت أساساً في التحليل الاقتصادي، كما اعتمد عليه في اختبار صحة النظريات التي تم التوصل إليها باتباع الأساليب المنطقية التي كانت سائدة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ويوصف الإحصاء بأنه أسلوب استقرائي يتسم بالواقعية اللازمة لكل نظرية حتى لا تبعد عن الواقع. ولكن، يؤخذ عليه أنه أسلوب لا يترجم الحقيقة كلها لكونه يتناول الظواهر التي يتم التعبير عنها بلغة الأرقام (المتغيرات الكمية)، ولا يهتم بالظواهر غير القابلة للقياس الكمي (المتغيرات النوعية).
فالرفاهية الاجتماعية، مثلاً، لا تتوقف على مستوى ما ينتجه المجتمع من سلع وخدمات مادية فقط، بل تتوقف على طريقة توزيعها بين جميع أفراد المجتمع أيضاً. ولا يعني هذا النقص استبعاد الأسلوب الإحصائي من الدراسات الاقتصادية، بل يقتضي اللجوء إلى الأساليب الأخرى في سبيل إكمال هذا النقص. وبذلك يمثل الإحصاء أسلوباً لا غنى عنه، ولا يكتفى به، في مجالي الدراسات الاقتصادية والسياسة الاقتصادية. وقد تطور حتى بات يؤلف، مع الرياضيات والتحليل الاقتصادي، فرعاً مستقلاً من فروع علم الاقتصاد وهو الاقتصاد القياسي[ر].
وأخيراً فالدراسة الاقتصادية تقتضي القدرة على التحليل والتركيب، والمعرفة بالأحوال النفسية والاجتماعية والقانونية والفكرية والحوادث التاريخية. أي تقتضي معرفة جميع عناصر الحياة الإنسانية. ونتيجة لتعدد هذه العناصر، لم تستطع أي مدرسة اقتصادية أن تحيط بها جميعاً. وعلى التحليل الاقتصادي، حتى يكون واقعياً، ألا يكون حبيساً لغرض ضيق ينظر إلى الإنسان من زاوية واحدة فقط. بل يجب أن يبحث عن الإنسان في جميع مظاهره وبكل أساليب البحث الممكنة، وأن يجمع في سبيل ذلك بين المنهجين الاستنباطي والاستقرائي في آن واحد.
أنواع التحليل الاقتصادي
يميز الاقتصاديون نوعين من أنواع التحليل الاقتصادي [ر] يؤلفان معاً فرعي النظرية الاقتصادية وهما التحليل الجزئي micro economics والتحليل الكلي macro economics. كما توجد تعابير أخرى للدلالة عليهما، فالأول مثلاً يعرف بأسماء كثيرة أخرى مثل نظرية الأسعار the price theory أو نظرية التوزيع the distribution theory. أما الثاني فيرى جاردنر أكلي Gardner Ackley أن تعبير «تحليل الدخل والتشغيل» income and enployment analysis أكثر دقة في التعبير عن مضمون ذلك النوع من أنواع التحليل. غير أن تعبيري «التحليل الجزئي»، و«التحليل الكلي» من أكثر المصطلحات شيوعاً بين الاقتصاديين على اختلاف مدارسهم.
ويمكن القول مبدئياً إن التحليل الجزئي يتناول البحث في السلوك الاقتصادي على مستوى الوحدة. وهذا ينطوي على فكرة أن الأفراد يتصرفون بطريقة متماثلة تجاه كل القضايا الاقتصادية المختلفة. فالحديث عن الاستهلاك مثلاً في مجال التحليل الجزئي، يقصد به تحليل النمط الذي يتصرف بموجبه الفرد وهو بصدد إنفاقه لدخله على السلع المختلفة. ويقصد بالفرد هنا أي فرد من أفراد المجتمع من دون تحديد.
أما إذا كان الحديث يدور حول الإنتاج فيقصد به حينئذ وصف السلوك الإنتاجي لكل وحدة إنتاجية سواء كانت شركة صغيرة أو كبيرة من دون تحديد أيضا. كما يتقرر في إطار هذا الفرع أيضاً كل من قضيتي تخصيص الموارد بين فروع الإنتاج المختلفة، وتحديد نصيب مختلف أفراد المجتمع من الدخل القومي(نظرية التوزيع).
أما في نطاق التحليل الكلي فإن المقصود بالاستهلاك هو دراسة السلوك الاستهلاكي للمجتمع كله. والحديث عن الإنتاج يعني الناتج القومي للمجتمع كله أيضاً. ويعني ذلك أن هدف التحليل الكلي هو دراسة القوى والعوامل التي تؤثر في مستوى الأداء الاقتصادي لجميع أفراد المجتمع منظوراً إليهم على أنهم وجود واحد. ويغدو الأمر أكثر وضوحاً إذا عُرِّف التحليل الكلي بأنه التحليل الذي يهتم بدراسة الموضوعات الاقتصادية التي تنعكس آثارها على جميع أفراد المجتمع مثل: الدخل القومي والناتج القومي ومستوى التشغيل والدورات الاقتصادية والتوازن الاقتصادي وغير ذلك.
ولما كانت القرارات الاقتصادية تتخذ من قبل الوحدات الجزئية التي يتكون منها الاقتصاد القومي، فقد يظن من ذلك أن التحليل الكلي ما هو إلا مجموع التصرفات الفردية. ومن ثم فإن التحليل الكلي ما هو إلا مجرد عملية نقل للنظريات الاقتصادية من المستوى الجزئي إلى المستوى الكلي. ويؤكد الاقتصاديون خطأ هذه النتيجة لأن القوانين والنظريات الاقتصادية التي تفسر السلوك الاقتصادي للأفراد تختلف كل الاختلاف عن القوانين والنظريات التي تفسر السلوك الاقتصادي للمجتمع بصفته كلاً. ويوضح أحد الاقتصاديين هذه الحقيقة بالفرق بين دراسة شجرة ما في غابة ودراسة الغابة نفسها.
ومع هذا الفصل بين نطاق التحليل الجزئي، والتحليل الكلي فإن هناك درجة كبيرة من التشابك بينهما، فالكفاية التي يتم بها تخصيص الموارد بين الاستخدامات المختلفة (تحليل جزئي) لها تأثير كبير في مستوى الدخل القومي (تحليل كلي)، كما أن إجمالي الدخل (تحليل كلي) يعتمد إلى حد ما على الكيفية التي يتم بها توزيع الدخل (تحليل جزئي) إذ إن حصول فئة صغيرة من المجتمع على نسبة كبيرة من الدخل القومي يؤدي إلى تخفيض الطلب الكلي، ومن ثم تخفيض مستوى الإنتاج والدخل القومي. كما أن عدالة توزيع الدخل القومي تؤدي في النهاية إلى انخفاض مستوى الادخار القومي وما ينتج عن ذلك من انخفاض معدلات النمو الاقتصادي.
تطور التحليل الاقتصادي
يقتضي تفهم دقائق مجرى تطور التحليل الاقتصادي العودة إلى دراسة الفكر الاقتصادي [ر] من خلال النظريات التي قدمتها المدارس الاقتصادية المختلفة. وسوف يكتفى هنا بالإشارة إلى أهم الخصائص المميزة لكل من الفكر التقليدي (1776 - 1936) والفكر «الكينزي»، وذلك بسبب الآثار الكبيرة التي نجمت عن الفكر الذي قدمه كل منهما سواء ما تعلق منها بمنهج البحث أو نطاق اهتمامه. فقد قام صرح النظرية التقليدية على التجريد والاستنباط فلجأت هذه النظرية، بصدد دراسة الاقتصاد، إلى التجريد، إذ أسقطت كل البواعث التي تسيِّر الإنسان إلا باعثاً واحداً فقط وهو باعث المصلحة الفردية، وانتهت بذلك إلى إنسان أطلقت عليه تعبير «الإنسان الاقتصادي» وعدته خير من يدافع عن مصلحته الشخصية، باستثناء قلة من الأفراد يمكن إهمالهم.
ولما كان المجتمع في الحقيقة مجموعة أفراد فقد خلصت إلى أن مصلحة المجتمع هي مجموع مصالح أفراده أيضاً، أي إن الفرد عندما يسعى لتحقيق مصلحته فإن هذا لن يؤدي إلى تعارضه مع المصلحة الشخصية للآخرين. ولهذا دأبت هذه النظرية تطالب بضمان حرية الأفراد في نشاطهم الاقتصادي، لأن هذه الحرية سوف تعني في النهاية تحقيق أقصى إشباع ممكن لجميع أفراد المجتمع تلقائياً دونما حاجة إلى تدخل أي سلطة في هذا السبيل، أي إن المجتمع سوف يحقق أفضل مستوى ممكن من الإنتاج باستخدام الموارد المتاحة له.
وهذا يعني في النهاية أن المشكلة ليست في تقديم النصح والمشورة لتحسين مستوى الإنتاج وإبداء الرأي في كيفية توزيعه، وإنما اهتمت المدرسة التقليدية فقط بتحليل النشاط الاقتصادي وإيضاح الطريقة التلقائية التي بوساطتها يتم التوصل إلى الوضع الاقتصادي الأمثل. وبذلك فقد صاغت، على حد تعبير ألفرد مارشال، من المنطق لوحة زيتية للعالم الحقيقي، وصاغت مما يجب أن يكون صورة لما هو كائن. ويعد قانون ساي (أو قانون المنافذ) الذي قدمه جان باتسيت ساي J.B.Say عام 1803 العمود الفقري للتحليل الاقتصادي التقليدي. وهو يقوم على فرض أن العرض إنما يخلق الطلب المساوي له، وينتهي بالفرض إلى أن التشغيل سوف يكون كاملاً دائماً بصورة تلقائية، وأنه لا يمكن أن تحدث البطالة أبداً، وإن حدثت أحياناً فإن قوى السوق التلقائية كفيلة بتصحيح هذا الخلل وإعادة التشغيل الكامل مرة أخرى.
وبناء على ذلك فقد كانت النظرية تقضي أن أي خلل يحدث في أركان النشاط الاقتصادي لا يتطلب تصحيحه من المسؤولين سوى انتظار أن تقوم قوى السوق الطبيعية بذلك. وبحسب منطق التقليديين، ليس هناك مايقال فيما يتعلق بالتحليل الكلي، وإن اهتمامهم تركز في نطاق التحليل الجزئي فقط.
وللإنصاف لابد من التذكير بأن الاتفاق بين الاقتصاديين التقليديين لم يكن تاماً. فقد برز في تلك الحقبة بعض المفكرين المناوئين للمبادئ التي تقوم عليها النظرية التقليدية مثل القس الإنكليزي توماس روبرت مالتوس (1766-1834)Thomas R. Malthus الذي وجه الكثير من النقد لمبادئ النظرية التقليدية وفروضها في كتابه «مبادئ الاقتصاد السياسي» The Principles of Political Economy كما انتقد المؤرخ والاقتصادي السويسري جان تشارلز ليونارد سيموندي (1773-1843)Jean Charles Leonard Simonde هذه المبادئ أيضاً. إلا أن أحداً من هؤلاء الخارجين على التحليل التقليدي لم يوفق في هجومه على النظرية التقليدية وبقيت فروضها هي الوحيدة التي توجه السلوك الاقتصادي، والسبب، في رأي كينز هو أنهم لم يستطيعوا توضيح الأسباب الكامنة وراء ارتفاع مستوى الطلب الفعال وانخفاضه.
وبوجه عام فقد انهار الكثير من آراء الاقتصاديين التقليديين المتعلقة بالتحليل الكلي، وخاصة عندما تفاقمت الأزمات الاقتصادية وانتهت إلى ما يعرف بكارثة «الكسـاد الكبير» the great depression في بداية الثلاثينات من القرن العشرين (1929 - 1933)، إذ اتسمت هذه المرحلة بارتفاع معدلات البطالة على نطاق واسع في جميع دول العالم تقريباً وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، ومرت سنوات على هذه الحال من دون أن تنجح القوى التلقائية في إعادة التوازن للنشاط الاقتصادي على النحو الذي كان متصوراً في النظرية التقليدية.
وهنا بات واضحاً أن هناك حاجة ماسة إلى إعادة النظر في مبادئ التحليل الاقتصادي وأساليبه، وهذا ما تمّ فعلاً بنجاح على يد الاقتصادي الإنكليزي جون مينارد كينز John M.Keynes بعدما نشر كتابه المعروف «النظرية العامة في التشغيل والفائدة والنقود»The General Theory of Employment, Interest and Money سنة 1936، الذي ضمنه نظريته الشهيرة في «الطلب الفعال» effective demand. وقد كان كينز من المؤيدين للنظام الرأسمالي الذي يقوم على مبدأ الحرية الاقتصادية إلا أنه، مع ذلك، كان يرى أن هناك نقصاً في ذلك النظام بأنه لا يتضمن آلية ذاتية قادرة على تحقيق التشغيل الكامل، أو قادرة على أن تعيد النظام إلى حالة التشغيل الكامل فيما لو ابتعد عنه. لهذا فقد قام بتقديم نظريته العامة التي أوضح فيها الكيفية التي يتحدد بها مستوى الدخل والتشغيل، كما شرح الأسباب الكامنة وراء عدم مقدرة قوى السوق على أن تجعل التشغيل عند مستوى التشغيل الكامل. إذ أشار إلى أن مستوى التشغيل معرض للتغير، وأن التشغيل الكامل ما هو إلا أحد مستويات التشغيل، وأن هناك عدداً غير محدود من المستويات الممكنة دون مستوى التشغيل الكامل. وجوهر الفكرة هنا أن مستوى الدخل القومي لا يتوقف على مدى وفرة الموارد الاقتصادية كما هي الحال في النظرية التقليدية، بل يتوقف على مستوى الطلب الفعال، أي إنه بذلك يكون قد عكس المفهوم التقليدي للتشغيل تماماً، وعلى حد تعبير أحد الاقتصاديين فإن كينز يكون قد وضع الحصان أمام العربة بعد أن وضعته النظرية التقليدية خلفها مشيراً بذلك إلى أن القوة الفاعلة في الاقتصاد ليست قوى العرض (النظرية التقليدية) بل قوى الطلب.
الجانب الثوري الآخر في فكر كينز يتركز فيما توصل إليه من أن الحكومة، بخلاف ماتوصلت إليه النظرية التقليدية، تستطيع التأثير في المستوى العام للنشاط الاقتصادي وذلك من مركزها المالي، أي من تغيير مستوى إنفاقها، أو بتغيير القوانين الخاصة بالضرائب لتعديل حجم مواردها المالية ـ أي الميزانية الحكومية بشقيها: النفقات والواردات.
ومع القول العام بوجهة النظر المطالبة بضرورة تدخل الحكومة في النشاط الاقتصادي بغية تحقيق مستوى عال من التشغيل، فإنه ما زال هناك الكثير من الجدل والنقاش حول مدى فاعلية مثل هذه السياسة لتحقيق التقدم المطلوب، وكثير من هذا الخلاف يرجع أحياناً إلى اختلاف وجهات النظر الاجتماعية والفلسفية والسياسية للمجتمعات المختلفة. وبذلك غدا التحليل الكلي محور اهتمام الاقتصاديين المختلفين بعد أن كان التحليل التقليدي منصباً بالدرجة الأولى في إطار التحليل الجزئي.
واستكمالاً للحقيقة لابد من الإشارة إلى أن الاهتمام بالتحليل الكلي لم يبتدئ مع الكساد الكبير على يد كينز، بل إن بعض أفكار التحليل الكلي وجدت قبل ذلك التاريخ، فقد اهتم أصحاب المدرسة التجارية «الميركانتيليون» في القرن السابع عشر بتحقيق مصلحة المجتمع كله وليس مصلحة الأفراد أو الطبقات، ونادوا لذلك بضرورة تدخل الحكومة في الحياة الاقتصادية نتيجة عدم ثقتهم بقدرة النشاط الاقتصادي على تحقيق مصلحة المجتمع القصوى.
كذلك فإن الطبيب الفرنسي فرانسوا كينيه مؤسس أول مدرسة اقتصادية بالمعنى الأكاديمي المعروف، وهي المدرسة الطبيعية (الفيزيوقراطيون)، يُعد صاحب أول مؤلف اقتصادي يتناول دراسة الظواهر الاقتصادية على أساس النظرة الكلية، وذلك في ما عرف باسم «الجدول الاقتصادي العام» الذي نشره عام 1759.
محمد ظافر محبك

http://www.arab-ency.com/index.php?module=pnEncyclopedia&func=display_term&id=465&vid=

الأنظمة الاقتصادية

النظام الاقتصادي Economic System هو مجموعة العلاقات الاقتصادية والقانونية والاجتماعية التي تحكم سير الحياة الاقتصادية في مجتمع ما في زمان بعينِه. ويركز النظام الاقتصادي على مجموعة العلاقات والقواعد والأسس التي تحكم التفاعل والتأثير المتبادل بين الحاجات البشرية من جهة والموارد الطبيعية والبشرية والمعرفية والتقنية المتاحة من جهة أخرى.
ويعدّ النظام الاقتصادي جزءاً لا يتجزأ من النظام الاجتماعي العام يتأثّر به ويؤثِّر فيه. وعرّف أنتونيلي Antonelli النظام الاقتصادي بأنه مجموعة من العلاقات والمؤسسات التي تميز الحياة الاقتصادية لجماعة محددة في الزمان والمكان. وهو عند سومبارت Sompart المظهر الذي يجمع بين العناصر الثلاثة التالية:
ـ الجوهر: أي مجموعة الدوافع والبواعث التي تحرك الفعاليات الاقتصادية.
ـ الشكل: أي مجموعة العوامل الاجتماعية والحقوقية والتأسيسية التي تحدد إطار النشاط الاقتصادي والعلاقات بين جميع المسهمين في النشاط الاقتصادي كنوع الملكية ونظام العمل ودور الدولة في الحياة الاقتصادية للمجتمع.
ـ المحتوى المادي: أي المستوى التقني للإنتاج المتمثل بمستوى تطور وسائل الإنتاج التي يُحصل بوساطتها على السلع والخدمات.
وتتحدد طبيعة النظام الاقتصادي من التداخل المنطقي بين العناصر الثلاثة المذكورة. ويؤكد سومبارت أن عنصر الشكل هو المحدد الرئيسي لطبيعة النظام؛ لأنه تعبيرٌ عن الروحية التي تعكس في النهاية بالخلفية الفكرية (العقيدة) التي يقوم عليها النظام. وتتوافق الروحية أيضاً مع مستوى معين من تطور وسائل الإنتاج.
واعتمد التحليل الماركسي على المقاييس الاقتصادية أساساً للتفريق بين الأنظمة الاقتصادية، إذ يعدها، مع البنى الاجتماعية والقانونية المتوافقة معها، البنية الفوقية التي تتولد عن أسلوب الإنتاج السائد والمكون من قوى الإنتاج الاجتماعية وعلاقات الإنتاج، ويفرق بين الأنظمة الاقتصادية على أساس ملكية وسائل الإنتاج والطبقة التي تتحكم فيها.
تصنيف النظم الاقتصادية
تصنف النظم الاقتصادية استناداً إلى عدد من المؤشرات والمعايير، وأهم هذه التصنيفات:
ـ التصنيف الذي يعتمد نوع الملكية ونظام العمل وإسهام الدولة وغيرها عوامل للتفريق بين الأنظمة الاقتصادية.
ـ التصنيف الذي يعتمد نوع الملكية عاملاً وحيداً يُفرق به بين الأنظمة الاقتصادية.
ووفقاً للتصنيف الأول يلاحظ أن ثمة أنظمة اقتصادية أساسية وأخرى ثانوية (هامشية). ومن أهم الأنظمة الاقتصادية الأساسية: نظام الاقتصاد المغلق، ونظام الاقتصاد الحِرْفي، والنظام الاقتصادي الرأسمالي، والنظام الاقتصادي الاشتراكي. أما الأنظمة الاقتصادية الثانوية فمنها: نظام الطوائف، والنظام التعاوني.
نظام الاقتصاد المغلق: يقوم على مبدأ الاكتفاء الذاتي، ويتميز بتدني مستوى تطور وسائل الإنتاج والتقانة، مما يؤدي إلى قلة كميات الإنتاج.
النظام الاقتصادي الحرفي: الذي نشأ وتطور مع نشوء المدينة وتطورها، ويتميز بتزايد مهارة الحرفي الذي أجاد صناعة السلعة، ويقوم على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وخضوع الحرفيين إلى قوانين غير مكتوبة بل نابعة من الأعراف والتقاليد.
ويعتمد الحرفي في عمله على استخدام المعدات اليدوية البسيطة وينتج كميات قليلة من السلع بحسب الطلب.
نظام الطوائف: يعتمد هذا النظام على تنظيمات مهنية تسمى بالطوائف، تضم كلَّ العاملين في مهنة واحدة. هدفه أن يوافق بين الطبقات التي تكوِّن المجتمع، وجمع العمل ورأس المال في بنية وظيفية واحدة. فهو يعتمد على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج. ويلاحظ فيه تطور المستوى التقني لوسائل الإنتاج.
أمَّا التصنيف الثاني الذي أخذت به النظرية الماركسية والذي يعتمد على نوع أسلوب الإنتاج المرتبط بنوع ملكية وسائل الإنتاج، فهو يفرق بين أنظمة اقتصادية تقوم على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وفيها استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، ونظام اقتصادي آخر يقوم على الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج لا استغلال فيه. ويوحد هذا التصنيف بين مفهوم النظام الاقتصادي ـ الاجتماعي ومفهوم التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية. وقد طورت النظرية الماركسية مفهوم النظام الاقتصادي حتى صار يعني تشكيلة اقتصادية اجتماعية يحددها أسلوب الإنتاج الذي يتحدد في نوع ملكية وسائل الإنتاج وعلاقات الإنتاج. وبذلك يكون مفهوم النظام الاقتصادي قد تأثر مباشرة بمفهومات أسلوب الإنتاج والتشكيلة الاقتصادية الاجتماعية. وقد فرَّقت النظرية الماركسية استناداً إلى هذا التصنيف بين خمسة أنظمة اقتصادية ـ اجتماعية تتوافق تقريبياً مع مراحل تطور تاريخ البشرية الاقتصادي. ولكن في مرحلة الانتقال من نظام اقتصادي إلى نظام آخر لابد من مرحلة انتقالية يتعايش فيها أكثر من نمط اقتصادي اجتماعي في وقت واحد. وهذه الأنظمة هي:
المشاعية البدائية: تعد المشاعية البدائية أول نظام اقتصادي اجتماعي في التاريخ، وكانت وسائل الإنتاج التي استخدمها الإنسان بسيطة وبدائية، كما كانت مهارات العمل وخبرة الأفراد ومعرفتهم قليلة جداً. لذلك لم يكن في مقدور الأفراد مواجهة الطبيعة إلا بتجميع جهودهم وتضافرها. وقد عاش الأفراد في مشاعات قبلية متوحدين على أساس قرابة الدم، تسيطر عليهم عادات وتقاليد بسيطة. وكانت المحاصيل القليلة التي لا تكاد تفي بحاجة الإنسان توزع بين أفراد المشاعة توزيعاً متساوياً، لذلك لم يكن هناك فائض من المحاصيل يمكن انتزاعه من الآخرين، ولا تفاوتٌ اقتصاديٌّ أو علاقات استغلال في المجتمع. فكانت وسيلة الإنتاج الرئيسة هي الأرض، وسيطر الاقتصاد الطبيعي(إنتاج ـ توزيع ـ استهلاك) في هذه التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية. وكان نمط الإنتاج تعاونياً وجماعياً. ومن أهم مراحل تطور النظام المشاعي البدائي:
ـ المجتمع ما قبل العشائري أو(القطيع البدائي).
ـ مرحلة المشاعية العشائرية وتنقسم إلى مرحلتين:
ـ المشاعية العشائرية الأمومية.
ـ المشاعية العشائرية الأبوية.
ـ المشاعية الزراعية، وفيها بدأ الإنسان مرحلة الاستقرار على ضفاف الأنهار وزراعة الأرض وتربية الماشية.
نظام الرق أو العبودية: يعد نظام الرق Slavery أو العبودية، الذي حلَّ محلَّ النظام المشاعي البدائي، أول نظام في التاريخ يقوم على استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، وعلى التناحر الطبقي. وكانت العبودية في أولى مراحلها تسمى «العبودية الأبوية» أو العبودية البيتية، وكان عدد الأرقاء قليلاً، وكان السيد مالك الرقيق يشتغل في الأرض مع أرقائه، ولم يقتصر العمل في هذه المرحلة على الرقيق وحدهم كما حدث في المرحلة اللاحقة.
استهل أسلوب الإنتاج في نظام الرق تاريخه حين صار استغلال الرقيق هو السائد في عملية الإنتاج، وحين انقسم المجتمع إلى طبقتين متناحرتين: المُسْتَغِلِّيْنَ «الأسياد» والمُسْتَغَلِّين «الرقيق». ويضمُّ مجتمع الرق إلى هاتين الطبقتين فئة الأحرار كالحِرفيين والفلاحين الصغار والتجار والمرابين. وتكَوَّن في ظل هذا النظام المجتمع الطبقي، وأضحت السيطرة السياسية مقصورة على طبقة الأسياد في المجتمع.
وظهر التناقض بين العمل الجسدي والعمل الذهني، فالعمل الجسدي، تخصص له الأرقاء للإنتاج المادي، في حين كان العمل الذهني من نصيب الأسياد الذين اختصوا بالإدارة الحكومية والسياسة والفلسفة والشعر والأدب والفن. إن التفرغ للقيام بهذه الأعمال كان له أثر إيجابي في تطور المعارف والعلوم الإنسانية وتقدم المجتمع البشري.
وظهر في ظل نظام الرق تبادل البضائع الذي تحوّل تحولاً متدرجاً إلى تجارة منظمة، ونشأت الأسواق التي تجاوزت حدود الدولة الواحدة، وظهر ما يسمى بالتجارة الخارجية. وقد أدى تزايد كميات الإنتاج من السلع المخصصة للسوق وتوسيع التبادل التجاري إلى تزايد التفاوت في الملكية والثروة على حساب عمل الرقيق، وظل الاقتصاد الطبيعي سائداً إلى حد ما، وظهر إلى جانبه الاقتصاد التبادلي (إنتاج ـ تبادل ـ توزيع ـ استهلاك). وظلت الأرض وسيلة الإنتاج الرئيسة. واعتمد النشاط الاقتصادي على الزراعة وتربية الماشية مع ظهور الإنتاج الحرفي. ومع تطور التجارة المنظمة ظهرت النقود التي بدأت تحتل مكانة مهمة في اقتصاديات مجتمع الرق.
النظام الإقطاعي: [ر. الإقطاعية] حلت الإقطاعية محل نظام الرق. ويقوم النظام الإقطاعي على ملكية طبقة الإقطاعيين لوسائل الإنتاج «الأرض» واستغلال الفلاحين. وظلت الأرض وسيلة الإنتاج الرئيسة. وكانت الملكية الإقطاعية على منطقة معينة، تشمل المدن والقرى وما فيها ومَنْ فيها من أقنان. ولم تكن هذه الملكية مجرد شكل حقوقي، وإنما كانت علاقة اقتصادية مضمونها استغلال الإقطاعيين للأرض والسكان المحرومين مما يضمن بقاءَهم. وقد كان هذا الشكل للملكية يحدد وضع الناس في عملية الإنتاج الاجتماعي ويحدد البنية الطبقية للمجتمع الإقطاعي كما يحدد طريقة توزيع المنتجات. إلى جانب ذلك وجدت في النظام الإقطاعي أنواع أخرى للملكية ولكنها محدودة جداً مثل ملكية الفلاحين الصغار والحرفيين لاستثماراتهم الخاصة.
وفي مرحلة تكوُّن النظام الإقطاعي بدأت تتحدد السمات الرئيسة لأسلوب الإنتاج الإقطاعي، وخاصة ظهور الملكية العقارية الإقطاعية، وظهور أنواع من الريع العقاري الإقطاعي بوصفه نوعاً اقتصادياً مميزاً لعلاقات الإنتاج في هذا النظام.
وكانت تبعية الفلاحين الأحرار للإقطاعيين تتم بأساليب مختلفة على اختلاف في درجتها. وبدأت التناقضات بين الإقطاعيين والفلاحين تتوضح أكثر فأكثر. وكان عمل الفلاحين الأساس في قيام المجتمع الإقطاعي واستمراره، كانوا ينتجون تلبية للحاجات الضرورية لأنفسهم، وللسيد الإقطاعي وحاشيته، ولجهاز الدولة.
ومع تطور أسلوب الإنتاج الإقطاعي تحوَّلَ، على نحو متدرج، من نظام الريع بالسخرة إلى نظام الريع العيني، ثم إلى الريع النقدي. وكان الإقطاعي وفقاً لنظام السخرة يستولي على العمل بشكله الطبيعي لذلك لم يُعْنَ الفلاح بالعمل أو بنتائجه. ومع ظهور الريع بنوعيه العيني والنقدي، صار الإقطاعي يحصل على نتيجة العمل ممثلاً بقسم من المُنْتَج وهو المُنْتَج الفائض. وصار الفلاح أكثر اهتماماً بنتائج العمل. وحققت القوى المنتجة في النظام الإقطاعي مستوى تطور عالياً مقارنة مع مستواها في نظام الرق.
ومن تزايد العلاقات البضاعية النقدية ونموها، أخذ النقد شيئاً فشيئاً يسهم إسهاماً فعالاً بوصفه مقياساً للقيمة، كما اتسعت علاقات التبادل والعلاقات السلعية ـ النقدية من التطور في أدوات العمل ووسائله وتقسيم العمل الاجتماعي.
النظام الرأسمالي: الإنتاج في هذا النظام من أجْلِ التبادل، وتحقيق الربح. وتعود ملكية وسائل الإنتاج فيه إلى فئة قليلة من المجتمع هم الرأسماليون، أما باقي أعضاء المجتمع وهم الأكثرية، فلا تملك سوى قوة عملها وأفرادها يشتغلون عمالاً أجراء يُشَغِّلون وسائل الإنتاج التي يملكها الرأسماليون. ويمتاز هذا النظام بحرية النشاط الاقتصادي.
تُخصص الموارد الاقتصادية في النظام الرأسمالي عن طريق آلية السوق، وتُتَخذُ القرارات الاقتصادية في إطار من اللامركزية. ولا تتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، الذي تقوم به المؤسسات والأفراد، تدخلاً مباشراً.
كما يفترض النظام الرأسمالي أن الوحدات الاقتصادية تسعى دائماً لزيادة كمية الربح للمنتج وزيادة المنفعة للمستهلك. فالفرد هنا يقوم بوظيفة مزدوجة في النظام الاقتصادي مرة بصفته منتجاً ومرة بصفته مستهلكاً، ولكنه دائماً مدفوع بالدافع الاقتصادي أي تحقيق مصلحته الشخصية. ويقوم النظام الاقتصادي الرأسمالي على آلية السوق التي لا يمكن أن تؤدي وظائفها بكفاية إلا إذا اتصفت بالحرية والمنافسة التامة وعدم تدخل الحكومة، عندئذ لا يكون في مقدور أي من المنتجين أو المستهلكين بصفته المنفردة التأثير في الأسعار السائدة في السوق. ومن أهم عيوب النظام الاقتصادي الرأسمالي أنه يسمح بتفاوت كبير في الدخل والثروة، بل تقود آلية السوق إلى مزيد من تركز الثروة. وتحت ضغط التطورات التقنية الحديثة وتركز الثروة تؤدي آلية السوق إلى انحسار المنافسة وانتشار الاحتكار. كذلك يتسم النظام الاقتصادي الرأسمالي بالتقلبات الدورية في النشاط الاقتصادي وحدوث الأزمات الاقتصادية[ر] المترافقة بظاهرتي التضخم[ر] والبطالة[ر]. ولا يحقق النظام الاقتصادي الرأسمالي عادة المستوى الأمثل للادخار كما أنه يعاني صعوبات كثيرة في توجيه الادخار نحو الاستثمار المنتج. وهو يركز على السلع والخدمات الخاصة من دون العامة لأنها أكثر ربحاً وأسرع من حيث المردود.
إن قيام التوازن العفوي في الحياة الاقتصادية في ظل النظام الرأسمالي يتطلب احترام مبدأ المنافسة الحرة؛ فآلية السوق قادرة على تحقيق هذا التوازن بتفاعل عوامل العرض والطلب في السوق. ويوضح آدم سميث آلية حدوث التوازن العفوي على أساس التفريق بين نوعين من الأسعار: السعر الطبيعي (وهو مساوٍ لكلفة إنتاج البضاعة أو مساوٍ لقيمة البضاعة)، والسعر الجاري(وهو السعر الذي يتكون بفعل العرض والطلب في السوق). ويظل السعر الجاري يحوم حول السعر الطبيعي ويقترب منه ليساويه في أغلب الأحيان عن طريق التوازن العفوي الذي يجري في السوق بين العرض والطلب، وإذا كان هناك أي اختلال فإنه زائل لا محالة لتعود حالة التوازن من دون شك في ذلك. إن هذا التوازن العفوي لا يخلخله إلا عدم تطبيق مبدأ المنافسة الحرة.
النظام الاقتصادي الاشتراكي: وفيه تعود ملكية وسائل الإنتاج للمجتمع بكامله (الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج)، والهدف الرئيسي من النشاط الاقتصادي هو السعي من أجل تلبية حاجات المواطنين المتنامية. ويترتب على ذلك انعدام التفاوت الكبير في الدخول والثروة بين الأفراد، إذ إن التفاوت الاقتصادي في النظام الاشتراكي يرتبط بتفاوت كمية العمل ونوعيته. وليس بنظام الملكية والإرث.
يعتمد النظام الاقتصادي الاشتراكي على أسلوب التخطيط المركزي والشامل في الإدارة الاقتصادية، تُرسَمُ أهداف طموحة ويُسعى لتحقيقها عن طريق حصر الموارد المتاحة وتوجيهها توجيهاً واعياً وكفياً. ويتصف التخطيط في الاشتراكية بالشمول والمركزية والإلزامية. ويتصف النظام الاقتصادي الاشتراكي بهيمنة الدولة على الاقتصاد ويكون لها الإسهام الرئيسي في عمليات الإنتاج والتوزيع بسيطرتها على وسائل الإنتاج (الملكية العامة). ويستهدف النشاط الاقتصادي عادة السعي إلى تحقيق الأهداف التي تتبناها الدولة.
إن السمة الجوهرية لتطور القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج في النظام الاشتراكي تكمن في التنظيم المنهجي المخطط للاقتصاد الاشتراكي. ويقوم الإنتاج الاشتراكي على أساس تقسيم اجتماعي متطور للعمل، ويؤدي ذلك إلى سيادة علاقات متينة بين مختلف فروع الاقتصاد الوطني، تفترض وجود تناسب كمي صحيح بين هذه الفروع. ولتحديد هذا التناسب يجب أن يحدد مسبقاً حجم الإنتاج الاجتماعي وحجم الإنتاج في مختلف الفروع ومن كل نوع من أنواع المنتجات وفقاً لحاجات الأفراد ومتطلبات المجتمع. وبذلك يستطيع المجتمع أن يخطط ويحدد، تبعاً للموارد المادية والبشرية التي يملكها، كميات الإنتاج من مختلف أنواع المنتجات (وسائل الإنتاج أو المواد الاستهلاكية) مع المحافظة على التناسب الضروري بين فروع الإنتاج. هذه النسب تسمح بالتطور المنهجي المخطط والمستمر والمتزايد لكل فرع من فروع الإنتاج، وللإنتاج الاجتماعي بمجمله. وبسبب توقف آلية السوق عن العمل في النظام الاشتراكي تغدو عملية تطور الإنتاج بأسلوب منهجي مخطط ضرورة موضوعية في أحوال الاشتراكية.
ومن أهم عيوب النظام الاقتصادي الاشتراكي:
ـ إهمال الحوافز المادية، إذ من غير المتوقع أن يبذل الفرد الأجير عند الدولة قصارى جهده من أجل زيادة الإنتاج وتخفيض التكاليف إذا لم يُفعَّل قانون التوزيع بحسب كمية العمل ونوعيته.
ـ إن مبدأ المركزية يضفي على العملية التخطيطية درجة عالية من عدم المرونة والبيروقراطية. وهذا يؤدي إلى تدني مستويات الإنتاجية.
ـ تؤدي مركزية التخطيط إلى عدم قدرة الاقتصاد على مواجهة التغيرات الطارئة في الحياة الاقتصادية ولاسيما تلك التي يصعب التنبؤ بها مواجهة سريعة وفاعلة.
وهذا يوضح أنَّ بنى النظام الاقتصادي الكلي ليست بنى متجاورة أو مضافاً بعضها إلى بعض إضافة عفوية وبسيطة، بل إنها تؤلف ترابطاً عضوياً وتجمعاً متوافقاً (يعبر عن علاقات مستقرة). وهذا يعني تطور مفهوم النظام الاقتصادي ليوضح العلاقات الداخلية في المجتمعات الإنسانية.
ويكون للبنى التي يتكون منها النظام الاقتصادي طابع عام وعلى عدة مستويات. لهذا فإن النظام يستلزم بنية قانونية وسياسية وبنية معنوية وهذه البنى تستلزمُ أيضاً ضرورة إظهار الجانب المسيطر في المستوى المطلوب معرفته. فإذا كانت التقنية هي المسيطرة تسيطر الآلة داخل النظام، أما إذا كانت البنية الفوقية هي المسيطرة فيظهر السعي لتحقيق الربح في النظام الرأسمالي قانوناً أساسياً، بينما يكون إشباع الحاجات القانون الأساسي في النظام الاشتراكي.
إن السمتين الرئيسيتين للنظام الاقتصادي هما ضرورة توافقه ودوامه النسبي، وتنتج هاتان السمتان من الميزتين الرئيسيتين لمكونات النظام، وهما مرونة البنى ومقدرتها على التوافق. ولأن البنى الفوقية والبنى التحتية مرنة ومتغيرة يمكن للنظام الاقتصادي أن يتطور فعلاً ويتحول. ولكن التحول يحدث على نحو لا تستطيع معه البنى التوافق فيما بينها، وهذا يؤدي إلى الانتقال من نظام اقتصادي إلى نظام اقتصادي آخر.
تظل الأنظمة الاقتصادية دائماً في حركة تطور، والعوامل المسؤولة عن هذا التطور تنقسم إلى عوامل ذاتية ترتبط ارتباطاً عضوياً بالمتغيرات الاقتصادية كازدياد الإنتاجية وتطور مستوى وسائل الإنتاج التقني، وعوامل خارجية لا تتصل اتصالاً مباشراً بالظواهر الاقتصادية كالاكتشافات الجغرافية والعلمية والحروب والنزاعات السياسية بين الأنظمة المعاصرة.
النظام الاقتصادي والتنظيم الاقتصادي
لابد من التفريق بين مفهوم النظام الاقتصادي ومفهوم التنظيم الاقتصادي بتعريف كل منهما: فالنظام الاقتصادي كما سلف القول هو مجموعة العلاقات والمؤسسات التي تميز الحياة الاقتصادية لمجتمع معين في الزمان والمكان، أما التنظيم الاقتصادي فهو وسيلة يستخدمها النظام الاقتصادي لتنظيم النشاط الاقتصادي والفعاليات الاقتصادية المختلفة. وتختلف طبيعة التنظيم الاقتصادي من نظام اقتصادي إلى آخر، ويمكن على سبيل المثال ذكر نوعين من التنظيمات الاقتصادية:
ـ التنظيم الاقتصادي الحر، وهو وسيلة النظام الاقتصادي الرأسمالي في تنظيم فعاليات النشاط الاقتصادي التي تقوم على حرية النشاط الاقتصادي. ويتصف هذا التنظيم باللامركزية والعفوية، ومن أهم خصائصه أنه اقتصاد يقوم التوازن فيه على آلية السوق، ويعتمد على المشروع الخاص، ولا تتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي إلا تدخلاً غير مباشر.
ـ التنظيم الاقتصادي الموجّه، الذي يعتمد عليه النظام الاقتصادي الاشتراكي لتحقيق أهدافه الاقتصادية، حيث يحقق التخطيط الإلزامي والمركزي الشامل التوازن في النظام الاقتصادي وفعالياته. ومن أهم خصائص هذا التنظيم: وجود خطة مركزية شاملة تتصف بالإلزامية تُوجه مجمل الأنشطة والفعاليات الاقتصادية لتحقيق أهداف النظام الاقتصادي الاشتراكي. وتفقد آلية السوق فاعليتها في هذا التنظيم الاقتصادي لتحل محلها الخطة، وتتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي عن طريق ملكيتها لوسائل الإنتاج (الملكية العامة). ويصبح المشروع هنا وحدة اقتصادية في جسم اقتصادي متناسق، فالمشروع وحدة اقتصادية منفصلة من الناحية القانونية فقط.
الأنظمة الاقتصادية المعاصرة
انقسم العالم في القرن العشرين إلى دول وشعوب حرة وشعوب مستعمرة. وتراجع النظام الاستعماري بسبب نمو حركات التحرر الوطني، وحصلت شعوب كثيرة على استقلالها في آسيا وأمريكة اللاتينية وإفريقية. ومع ذلك مازال عالمنا المعاصر يشهد انقساماً من نوع آخر بين دول العالم، فثمة دول غنية متقدمة صناعياً (دول الشمال) ودول متخلفة فقيرة هي شعوب العالم الثالث (دول الجنوب). وشهد العالم المعاصر عدداً من الأنظمة الاقتصادية أهمها:
ـ النظام الاقتصادي الرأسمالي.
ـ النظام الاقتصادي الاشتراكي.
ـ النظام الاقتصادي المختلط، الذي يحاول التوفيق بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي وتجنب عيوبهما البارزة والتركيز على جوانبهما الإيجابية.
لذلك عمد الكثير من الدول النامية إلى التدخل في قطاعات النشاط الاقتصادي ومصادر الطاقة عن طريق التخطيط الاقتصادي بهدف تحقيق التنمية والقضاء على التخلف. وتقوم الدولة بوظيفة مهمة في النظام الاقتصادي المختلط، فهي تؤثر في مختلف جوانب النشاط الاقتصادي بوساطة السياسات المالية والنقدية والتجارية والتنموية التي تمارسها. وقد تقوم الدولة ذاتها بالنشاط الاقتصادي في حدود معينة إذا ما استدعت المصلحة العامة ذلك. وترغب الدول النامية في استخدام السياسات الاقتصادية العامة في توجيه النشاط الاقتصادي وإدارته بهدف تحقيق العدالة الاجتماعية وتشجيع المبادرة الفردية واحترام حق الملكية وتعاون القطاعات المختلفة لتسهم جميعها في عملية التنمية الشاملة.
ومن الممكن القول: إن أغلب الأنظمة الاقتصادية المعاصرة هي نظم اقتصادية مختلطة. وظهرت الأنظمة الاقتصادية المتنافسة وأصبحت دراسة الأنظمة الاقتصادية المقارنة أسلوباً يستخدمه علم الاقتصاد أكثر من كونها جزءاً منفصلاً عنه، وهذا متفق مع ما كان سائداً من قبل.
إن دراسة الأنظمة الاقتصادية المقارنة هي استعمال أساليب التحليل المقارن، ومن الممكن تطبيق هذه الأساليب على دراسة موضوعات في أي حقل فرعي من حقول الاقتصاد (مثل أنظمة الضرائب واتحادات العمال في الدول المختلفة) ودراسة الاقتصاد في مجمله (مثل النظريات الاشتراكية، أو المنجزات الإجمالية لاقتصاديات قومية منتقاة).
النظام الاقتصادي العالمي
يتميز عالمنا المعاصر باتساع الطابع الدولي في الحياة الاقتصادية وهو ما يسمى «عولمة الاقتصاد»، وصار للمشكلات الاقتصادية الدولية أثر كبير في جوانب الحياة الاقتصادية ضمن الدولة الواحدة حتى في حياة الفرد الاقتصادية ونشاطه. وفي سياق هذا التطور العالمي ظهر مفهوم جديد يدعى النظام الاقتصادي العالمي. وهو يمثل العلاقات الاقتصادية التي تقوم بين الشعوب أو العلاقات الاقتصادية بين الدول بصفتها كيانات سياسية مستقلة والملاحظ أن العلاقات الاقتصادية العالمية قد تزايدت وتشابكت بقدر كبير في عالمنا المعاصر؛ ولاسيما بعد توقيع اتفاقيات الغات[ر] GATT، وظهور منظمة التجارة العالمية[ر]. ويتصف النظام الاقتصادي العالمي في مرحلته الراهنة بالاستغلال لأنه يساعد على تركيز السيطرة والقوة الاقتصادية في أيدي عدد قليل من الدول الغنية المتقدمة، وعدم التكافؤ في التبادل التجاري الدولي، كما أنه يضع قواعد للتجارة الخارجية والنظام النقدي العالمي تخدم مصالح الدول المتقدمة على حساب الدول النامية. وتجدر الإشارة إلى أن النظام الاقتصادي العالمي قد أخفق في حل المشكلات الأساسية التي تعانيها الدول النامية ولاسيما مشكلة الجوع والفقر والتخلف وعدم القدرة على التنافس مع الدول الغنية المتقدمة.
مصطفى العبد لله
http://www.arab-ency.com/index.php?module=pnEncyclopedia&func=display_term&id=14984